لا يحتاج الموقف الأشعري من حجية السُّنَّة إلى مزيد إطالة في عرضه وتقريره، فأئمة المذهب جميعًا متفقون على القول بحجيتها، وعدَّها مصدرًا رئيسيًّا للاستدلال، وكتبهم الأصولية -وهي كثيرة ومتنوعة- حافلة بمباحث مُطوَّلة عن السُّنَّة، وأقسامها، وشروطها، وغير ذلك من المسائل والتفصيلات.
ويتشابه الأشاعرة مع المعتزلة في قولهم بتوقف إثبات حجية السُّنَّة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تدل المعجزة عليه، كما نصَّ على ذلك أبو حامد الغزالي فقال: «قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه» (574) ، ووسَّع الرازي من هذه الفكرة فصارت «النقليات بأسرها مستندة إلى صدق الرسول» (575) .
ويترتب على ذلك، أن كل ما يتوقف العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم على العلم به، لا يمكن إثباته بالسُّنَّة، ولا بغيرها من الأدلة النقلية، ومن ثم فالمجالات التي يمكن أن تخوض فيها السُّنَّة إثباتًا واحتجاجًا محدودة، وبعيدة عن نطاق الأصول الكبار؛ كمعرفة الله وتوحيده، وإثبات صدق الرسول ونبوته.
ويطول بنا المقام لو اتبعنا نفس المسلك الذي انتهجناه في عرض الموقف الاعتزالي، وقد كنا بحاجة ماسة إليه؛ لما شاع عنهم من إنكار لحجية السُّنَّة، واتخاذ مواقف سيئة تجاهها، أما الأشاعرة فلا يوجد ما يدفعنا لذلك، ومن ثَمَّ نقتصر على موقف إمام المذهب كنموذج يمثل آراء الفكر الأشعري واتجاهاته في طور النشأة المبكر، محاولين التعرف على صلة أبي الحسن بالسُّنَّة والحديث، وأئمتهما، والمنهج الذي صرح بالانتساب إليه، وارتضى سلوكه.
وتبدأ الصلة الوثيقة بين أبي الحسن والسُّنَّة في فترة مبكرة من حياته؛ حيث تلقي الحديث على يد أحد أئمته الكبار (576) ، وهو يحيى بن زكريا الساجي (ت 307 هـ) والذي كان له دور مهم في التأثير على آرائه؛ حتى إن ابن تيميَّة، ووافقه الذهبي (577) ذكرا أن الأشعري أخذ عنه أصول أهل السُّنَّة والحديث، وكثيرًا مما نقله من مذاهبهم، في كتابه المعروف «مقالات الإسلاميين» .
ثم تأتي فترة التحول -أيًّا كانت أسبابها- ومما ارتبطت به حادثة رؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والتي مانع من قبولها شرعًا، أو عقلًا، وإن شكك في ثبوتها بعض المعاصرين (578) ، وتكمن دلالة الرؤيا في ارتباطها بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وحثه لأبي الحسن على