والذي يهمنا في هذا الموطن هو معرفة أقسام الأخبار عند المعتزلة والأشاعرة، والذي يمثل بدوره أقسام السُّنَّة، لما ترتب على ذلك التقسيم من آثار منهجية خطيرة في نظرتهم إلى السُّنَّة، وقيمة الاستدلال الفعلي بها، والمجال الذي يمكن لكل قسم منها أن يعمل خلاله، ولعل من المهم أن نشير بإيجاز إلى تقسيم المحدثين وأصوليي الأحناف للسُّنَّة لنرى أين يقف التقسيم الكلامي بينها، ودرجة قربه أو بعده عنها.
(أ) تقسيم المحدِّثين تنقسم السُّنَّة عند المحدِّثين إلى قسمين أساسيين، وهما: المتواتر والآحاد، ثم ينقسم الآحاد إلى المشهور والعزيز والغريب (600) ، وأضاف بعضهم نوعًا آخر هو المستفيض، وقد تباينت الآراء في تعريفه، وهل هو أخص من المشهور، أو أعم، أو مرادف له، إلى غير ذلك من التفصيلات المذكورة في كتب المصطلح (601) ، والمهم أن القسمة عند المحدِّثين ثنائية، وليس ثمة واسطة بين المتواتر والآحاد.
(ب) تقسيم أصوليي الأحناف
وتنقسم السُّنَّة عندهم إلى ثلاثة أقسام؛ وهي: المتواتر، والمشهور، والآحاد، وقد انفردوا بمفهوم خاص للمشهور؛ حيث جعلوه قسيمًا للآحاد، وليس قسمًا منه كما هو الحال عند المحدِّثين، وعرَّفوه بأنه: اسم لخبر كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر في القرن الثاني، حتى روته جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب، وقيل: هو ما تلقته العلماء بالقبول والاعتبار للاشتهار في القرنين الثاني والثالث، ولا عبرة للاشتهار فيما بعدهما (602) .
وقد اختلفت آراؤهم في درجة العلم المستفاد من المشهور (603) ؛ فذهب جماعة إلى أنه مثل المتواتر فيثبت به علم اليقين؛ لكن بطريق الاستدلال، لا بطريق الضرورة، ومال آخرون إلى أنه يوجب علم طمأنينة، لا علم يقين، فكان دون المتواتر وفوق خبر الواحد، وعلى أية حال فالمشهور الحنفي اصطلاح خاص بهم، لم يتابعهم عليه المحدثون، ولا جمهور الأصوليين.
(جـ) تقسيم جمهور الأصوليين، ومتكلمي المعتزلة والأشاعرة
قسم جمهور الأصوليين السُّنَّة إلى المتواتر والآحاد (604) ، وهم بهذا يتفقون مع المحدثين في القسمة الثنائية، وإن كانوا لم يهتموا كثيرًا ببيان أنواع الآحاد من مشهور، وعزيز، وغريب؛