والتي عُني المحدثون بتفصيلها؛ لأنها تشترك في كونها آحادًا لدى الأصولي، ومن ثم لا يختلف حكمها اختلافًا مؤثرًا، وهذا التقسيم هو الشائع عند متكلمي المعتزلة والأشاعرة، وعليه سارت معظم كتاباتهم، فالسنة وأحاديثها إما متواترة، وإما أحادية، وإن وجدت تقسيمات أخرى أقل شهرة بجانب هذا التقسيم، وأبرزها ما يلي:
1 -قسَّم بعض المعتزلة السُّنَّة وأحاديثها إلى سنن معروفة مشهورة، أو ما يعرف بأصل السنة، وإلى فرع السُّنَّة، أو السنن غير المشهورة، وقد برز هذا التقسيم عند كل من القاسم الرسي (605) ، وأبي الحسين الخياط (606) ، وسبقت الإشارة إلى أقوالهما في هذا الصدد، وبينما تبدو المصطلحات وعليها مسحة من الجدة، إلَّا أنها تئول في حقيقتها إلى التقسيم المشهور؛ وهو المتواتر والآحاد، وإن اختلفت المسميات.
2 -وأضاف بعض الأشاعرة قسمًا ثالثًا؛ وهو المستفيض، وجعلوه واسطة بين المتواتر والآحاد، وممن اختار هذا التقسيم: أبو إسحاق الإسفراييني (607) ، وعبد القاهر البغدادي (608) ، والمستفيض عندهم يفيد العلم كالمتواتر؛ ولكنه علم مكتسب، وليس ضروريًّا، ونازع في ذلك أكثر الأشاعرة؛ كابن فورك (609) ، والجويني (610) ، والآمدي، وابن الحاجب (611) ، فعدوا المستفيض قسمًا من أقسام خبر الواحد، وليس قسيمًا له، ولم يقولوا بإفادته العلم، والذي يهمنا من هذا التقسيم، الذي قال به نفر من الأشاعرة، أنه يشكك في صحة الإجماع المدَّعَى على أن خبر الواحد -أيًّا كان وصفه، وأحوال رواته- لا يفيد إلَّا الظن، ولا سيما أن المستفيض عند هؤلاء النفر يشمل أنواعًا كثيرة، منها (612) :
(أ) خبر من دلت المعجزة على صدقه؛ كأخبار الأنبياء عليهم السلام.
(ب) خبر من أخبر عن صدقه صاحب معجزة.
(جـ) خبر رواه في الأصل قوم ثقات، ثم انتشر بعدهم رواته في الأعصار حتى بلغوا حد التواتر.
(د) خبر من أخبار الآحاد في الأحكام الشرعية، أجمعت الأمة على الحكم به، ويندرج تحت المستفيض أحاديث الرؤية، والشفاعة، والحوض، والميزان، والرجم، والمسح على الخفين، وعذاب القبر، ونحو ذلك مما عدَّه المعتزلة من الآحاد، وحكم عليه المحدثون بالتواتر المعنوي.