فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 584

وقد مال كثير من المتكلمين والأصوليين إلى القول بترادفها مع عدد من المصطلحات الأخرى الدالة على إثبات الحكم، وتحصيل اليقين، كالبرهان، والعلامة، والدليل، والبينة، وممن نص على ذلك الباقلاني (12) (ت 403 هـ) وابن حزم (13) (ت 456 هـ) ، وأبو الوليد الباجي (14) (ت 474 هـ) ، والجويني (15) (ت 478 هـ) ، وغيرهم (16) ، لكن البعض فرق بين الدليل والحجة بأن الدليل أعم فيما يصدق عليه، وأرجع آخرون الفرق إلى أن الدليل ما دلَّ على مطلوبك، والحجة ما منع من ذلك، أو أن الدليل ما دلَّ على صواب قولك، والحجة ما دفع عنك قول مخالفك (17) ، فكأن وظيفة أحدهما إثباتية ووظيفة الآخر دفاعية، ولا أظن أن هذا الخلاف حول التسمية تترتب عليه نتائج ذات بال أو اختلاف منهجي مؤثر، وتبقى المصطلحات المذكورة شبه مترادفة.

وتعريفات الحجة متقاربة -مع كثرتها وتنوعها- فهي «ما تصحح بها الدعوى» (18) أو «ما دل به على صحة الدعوى» (19) أو يرادف بينها وبين الدليل، فتقع على «كل ما يعرف به المدلول» (20) وعلَّل بعض الأصوليين تسميتها بذلك لأنه «يلزمنا بها حق الله على وجه ينقطع به العذر» (21) وإذا أضيفت الحجية إلى الدليل -كما هو الحال في عنوان هذه الرسالة- فنعني بذلك صلاحيته لأن يُستشهد به على وجه يثبت صحة الآراء والمسائل المدعاة، وبصفة خاصة في مجال الأحكام العقدية.

وثمة مُلازمة واضحة بين حجية الدليل وصحة التعبد به عند الأصوليين، ومن بينهم أئمة المعتزلة والأشاعرة، ولهذا نجدهم يؤكدون على أن التعبد بالدليل المعيَّن من مقتضيات حجيته وفرع عنها، وكثيرًا ما يعقدون في مصنفاتهم الأصولية فصولًا لإثبات حجية الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، فيستعيضون عن لفظ «الحجية» بلفظ «التعبد» ويصير عنوان تلك المباحث «التعبد بخبر الواحد» أو «التعبد بالقياس» وما أشبه ذلك (22) .

وتنقسم الحجة بحسب ما تفيده من يقين أو ظن إلى نوعين (23) : الحجة القطعية اليقينية، وهي التي يُستفاد منها اليقين والقطع، والحجة الظنية الإقناعية، ولا يُستفاد منها سوى الظن، ويفترق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت