يحصى؛ لأن أكثر رواية الصحابة عن صحابة مثلهم وكلهم عدول، وروايتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها (1258) .
وحكى أبو الحسين البصري عن أبي علي وأبي هاشم الجبائيين أنهما جوَّزا تقليد الصحابي والاقتداء به فيما يذهب إليه، ولم يوافقهما أبو الحسين على مذهبهما، وقام برده، ومناقشة أدلته وتفنيدها (1259) ، ومع أن رأي الجبائيين لا يعبر عن المذهب الاعتزالي ككل، فإنه لا يدل صراحة على حجية قول الصحابي عندهما؛ لأنه ليس ثمة ملازمة ضرورية بين جواز تقليد الشخص المعين وإثبات حجية قوله، فالعامي يتبع أهل العلم ويأخذ بأقوالهم، ولم يقل مسلم قط إن قول العالم حجة، أو دليل شرعي واجب الاتباع.
وتبرز عند بعض أئمة المذهبين حالة يحتجون فيها بقول الصحابي، وذلك إذا صدر عنه ما لا مجال فيه للرأي، أو كان مخالفًا للقياس، فيغلب على الظن حينئذٍ أن قوله مستند لدليل شرعي، تحسينًا للظن به، ولتبرئته من القول على الله بلا علم أو حجة، وفي هذا المعنى يقول أبو الحسين البصري:
«إذا قال الصحابي قولًا لا مجال للاجتهاد فيه فحسن الظن به يقتضي أن يكون قاله عن طريق، فإذا لم يكن الاجتهاد فليس إلا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم» (1260) ، ويتكرر نفس المعنى عند الجويني (1261) وغيره من الأشاعرة (1262) .
وكان من الممكن قياسًا على الحالة المتقدمة أن يقال بحجية أقوال الصحابة في أبواب الاعتقاد؛ لأنها مما لا مجال للاجتهاد فيه، لكن ذلك لم يحدث لعدة اعتبارات سيرد ذكرها في المسألة التالية.
والذي نخلص إليه مما سبق: أن المعتزلة والأشاعرة لا يرون حجية قول الصحابي في مجال التعبد، ويستدلون على ذلك بانعدام الدليل المؤيد لإثبات هذه الحجية، ولأن في الأدلة الشرعية من كتاب وسنة وإجماع كفاية وغناء، وما لم يُنص فيها على حكمه، فباب القياس والاعتبار من السعة بما يجعل رد المستحدثات إلى الأدلة الشرعية أمرًا ميسورًا، يستطيع المجتهد أن يقوم به على الوجه الأكمل، ولن نطيل في عرض حججهم، أو حجج القائلين بحجية قول الصحابي،