فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 584

ويأتي هذا المبحث ليتناول أساسًا منهجيًّا آخر أثر بوضوح على مكانة الدليل النقلي وكيفية الاحتجاج به لدى متكلمي المعتزلة والأشاعرة، وترتب عليه نتائج لا تقل خطورة -إن لم تزد- عما أحدثته فكرة الدور؛ حيث عملا معًا على تشكيل النظرة التي تعامل بها أئمة المذهبين مع النقل، ومدى وثاقة الاعتماد عليه في عملية الاستدلال على مسائل الاعتقاد.

والأساس الذي معنا يعتمد على مبدأ الظنية والقطعية ونصيب الدليل النقلي منهما، ويبدو الاختلاف بينه وبين سابقه واضحًا؛ إذ يتركز اهتمامه على مضمون الدليل، ويقوم في مجمله على النظر في معانيه ونوعية الدلالة المستفادة منه، إضافة لالتفاته إلى السند الذي نقل الدليل بواسطته، وهل هو قطعي ثابت أم ظني فيه مجال للاحتمال والتردد، وبناء على النظر في جهتي السند والمتن يتحدد نصيب الدليل النقلي من الوصف بالقطعية أو الظنية كمقدمة لا بد منها قبل استعماله فعليًّا في الاحتجاج على المسائل العقدية، والتي اشْتُرط لها نوع من الأدلة يحتاط فيه ما لا يحتاط في الفقهيات.

وقد أسلفنا في المدخل التمهيدي: أن ثمة تقسيمًا شائعًا لدى الأصوليين والمتكلمين (1514) ، يقسمون فيه الدليل من حيث ثبوته إلى ظني وقطعي، كما ينقسم القسمة ذاتها من جهة الدلالة، وإذا دمجنا الجهتين معًا نتج لنا أربعة أنواع من الأدلة، وهي:

1 -قطعي الثبوت والدلالة

2 -ظني الثبوت والدلالة

3 -قطعي الثبوت وظني الدلالة

4 -ظني الثبوت وقطعي الدلالة

ومن المعلوم أن المتكلمين باشتراطهم القطعية في الدليل المستخدم في مجال العقائد سوف يُخرجون أنواعًا ثلاثة من الأنواع المذكورة، وهي الظني في ثبوته ودلالته أو في أحدهما، ولا يبقى إلا نوع واحد وهو قطعي الثبوت والدلالة، وقد انتهينا في الباب الأول من هذه الدراسة -والذي تكفل بدراسة الأدلة النقلية من حيث ثبوتها- إلى أن المعتزلة والأشاعرة يقطعون بثبوت النص القرآني والسُّنَّة المتواترة، واتفقت كلمة جماهيرهم على ظنية أخبار الآحاد، واختلفوا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت