فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 584

أو الوعد والوعيد، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أثر خارجي، وهم لم يرتموا بصورة كاملة في أحضان الفلسفة، ولم تظهر لديهم نظريات بعيدة كل البعد؛ كالأفلاك العشرة والفيض وما أشبه ذلك، ولبعض أئمة الاعتزال نقد شديد للفلسفة وأساطينها.

وقد رأينا أن النظَّام -وهو يعدُّ من أشهر المتأثرين بالفكر الفلسفي- يهتم بنقض كتب أرسطو والرد عليها، وبالغ القاضي عبد الجبار في التقليل من شأن أرسطو، والعيب على المقلدين له والسائرين وراءه في كل صغيرة وكبيرة، فقال: «أما أرسطاطاليس هذا، فلا معول على ما يقوله، وإن كان أصحابه قد صدَّقوا عليه فهو غير كامل، فمن يعده أو يعتد بقوله أو يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته، وهو عورة كله من أوله لآخره» (1739) .

وعاب الجاحظ بعض المناطقة، واصفًا إياه بأنه «رضي بكتاب المنطق بدلًا من القرآن، وبالكون والفساد عوضًا عن الأحكام، وبالعرض والجوهر خلفًا، والجزء والطفرة شرفًا» (1740) ، وأنكر المعتزلة على أبي الحسن الخياط وقللوا من منزلته في المذهب، وأعرضوا عن آرائه؛ لخلطه أقواله بالفلسفة (1741) ، كما لا ننسى الفروق الجوهرية بين علم الكلام والفلسفة، سواء من ناحية المنهج أو الموضوع، أو المسائل أو الغاية.

ولا شك أن طبيعة المنهج المستخدم في كل علم تعتمد على طبيعة الموضوع الذي يتوجه إليه، والمفترض في علم الكلام أن يكون علمًا دينيًّا يؤيد العقائد وينصرها، أما الفلسفة فعلم عقلي بحت يبتدئ من العقل وينتهي إليه، ومناهج الاستدلال التي أتى بها المنطق الوافد، أو الفلسفة الإغريقية لم ترد إلى المجتمع المسلم وهو صفر اليدين من أية طرق للتفكير والبحث؛ بل كان لعلماء المسلمين مناهجهم الخاصة بهم (1742) -كما أشار ابن تيميَّة- فقد صُنفت في الإسلام علوم النحو، واللغة، والعروض، والفقه، وأصوله، والكلام، وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق؛ بل إن عامتهم كانوا قبل أن يُعرف هذا المنطق اليوناني (1743) .

كذلك تختلف الفلسفة عن علم الكلام في الموضوع، والمسائل محل الاهتمام بالدرجه الأولى، فموضوعات علم الكلام تتعلق بالأصول الدينية؛ كالبحث في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، والنبوة، والسمعيات وما أشبهها، وأما الفلاسفة فيبحثون عن الوجود، والمعرفة، والقيم، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت