اسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [1] قَالُوا: وَصَفَهُ بِشِدَّةِ الْحَالِ، وَالْإِلْزَاقِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْبُؤْسِ وَالْفَاقَةِ.
قُلْنَا: لَمْ يَقْتَصِرْ مِنْهُ [2] عَلَى اسْمِ الْمِسْكِينِ، حَتَّى قَرَنَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى حَاجَةٍ [3] ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ اسْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِقَرِينَتِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَمَا سَبَقَ مِنْ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ جَوَابٌ عَنْهُ.
وَاحْتَجَّ الْقُتَيْبِيُّ [4] فِي الْفَقِيرِ أَنَّهُ أَوْسَعُ حَالًا [5] مِنَ الْمِسْكِينِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ [6]
وَقَالُوا: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ حَلُوبَةٌ يَحْلُبُهَا، وَهِيَ قَدْرُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيالِهِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ.
وَجَوَابُهُ أَنْ نَقُولَ: الْبَيْتُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ قُوتِ عِيَالِهِ قَبْلَ الْفَقْرِ، فَقَدْ صَارَ بِحَيْثُ لَا سَبَدَ لَهُ وَلَا لَبَدَ، ثُمَّ نَقُولُ:
(1) سورة البلد (آية: 16) .
(2) في المختصر:"فيه".
(3) في المختصر:"شدة حاجته".
(4) انظر غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 191) .
(5) في النسخ:"مالا"، والمثبت من المختصر.
(6) البيت في طبقات فحول الشعراء (2/ 511) ، وأدب الكاتب (ص 30) . والحلوبة: الناقة التي تُحلَب، ووفق العيال: أي قدر قوتهم، ولم يترك له سَبَد: أي لم يترك له شيء، وهذه الكلمة تستعمل في النفي إذا أُخبر عن الإنسان أنه لا يملك شيئًا قيل: ما له سَبَد ولا لَبَد، بمعنى ما له شيءٌ، والسبد من الشعر (أي شعر الماعز) واللبد من الصوف. وسيأتي شرح المصنف عقب البيت مباشرة.