فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 232

وقد يحصل هذا التنوع والتعدد في المقابلات العربية أمام اللغة المرسلة نفسها، من خلال تنوع طرائق وضع المصطلحات وتعددها، في كل من اللغتين، وعدم إقامة تنسيق أو تناظر بينها، فتعتمد المصطلحات الأوروبية في اشتقاقاتها على التركيب من لواحق مختلفة ومتنوعة، في حين تعتمد العربية على المجاز أو الاشتقاق، وغير ذلك، فهذا اللا تناسق في تركيب المقابلات يؤدي إلى عدم التناظر والتعدد والاضطراب. من مثل، foundation: مقابلاتها العربية، أساس. تأسيس. مؤسسة، إذ اتفقت هذه المقابلات في المادة وتنوعت في الاشتقاقات. أو العكس، فقد تتفق المقابلات في الاشتقاق ولكنها تختلف في المواد من خلال اعتمادها على مترادفات عدة، وما أكثر هذه الحالات في المعجمات، من مثل، (adj) Refined: مُنَقّى، مُكرَّر، مهذَّب، مصقول. (ستُفصل هذه الأمثلة في نهاية هذا الفصل) .

4 -1 - 2 - 3 - وهناك أسباب تاريخية، إذ تتطور دلالات الكلمات عبر الزمن، بالتوسع أو التخصيص أو التحويل، بتماثل المعاني، كتماثل في الشكل، أو تماثل في الوظيفة، أو تماثل في الحالة، وغيرها من مختلف أشكال المجازات والاستعارات.

ويمكن لمس هذه التطورات في الدلالات عند النظر في معاني المواد في المعجمات، فقد لا يجد القارئ في الوهلة الأولى ما يجمع بين معاني بعض المواد، أما إذا أمعن في معانيها فسيلاحظ أن معظمها أشكال من التطور الدلالي حدث وفق تماثل في الشكل أو الوظيفة أو الحالة أو غيرها.

من أمثلة ذلك، (رفه) الذي كان يطلق على الإبل التي تورد كل ما شاءت كل يوم، ثم اتسع هذا المعنى ليدل (الإرفاه) على مظاهر التنعيم وسعة العيش، ثم صار (الرفه) يحمل معاني الراحة، يقال رفّه عنه أي كان في ضيق فنفس عنه، (فالرابط بين هذه الدلالات هو الاستعارة عن طريق تماثل الحالة) . ومن ذلك (رحل) الذي كان يطلق على سرج البعير، ثم اتسعت دلالة (الرحل) لينتقل من موضع ركب الراكب إلى الدلالة على المنزل والمسكن، ثم ما يصحب المنزل من أساس، ثم اتخذت معاني ذهنية، فارتحل القوم أي انتقل، (فالتطور الدلالي هنا هو نتيجة الملابسة في المكان) . ومن ذلك أيضًا (ركب) الذي هو من تقاليب (برك) الذي اختصّ ببروك الجمل أي جلوسه وقعوده، ثم اتسعت دلالة (ركب) لتطلق على راكب كل دابة، ثم على راكب كل شيء كالسفينة وغيرها. ومنها ركّب الشيء أي وضع بعضه على بعض، (تماثل في الوظيفة) .

واعتمادًا على المنهج التاريخي هناك من يرى أن قوانين الانتخاب الطبيعي تعمل في اللغة عن طريق الاستعمال والزمن وتطور الذوق اللغوي العام للأمة، فهناك ألفاظ تبدو ضعيفة وتَقوى مع الزمن وأخرى تبدو قوية سليمة ولا تصمد أمام الاختبار. من أمثلة كلمات كانت رائجة ثم زالت، المِسرّة والإرزيز والسفير (للتلفون) ، والمائه (للهيدروجين) ، والضريم (للبنزين) ، والمَحِر (للأوكسجين وللترمومتر) ، والمِرواز (للبارومتر) ، والجُماز (للترام) . وكلمات أخرى تعايشت مع المرادف العربي مثل، الأمونيا والنشادر، والبوليس والشرطة، والهاتف والتلفون، والمحرك والموتور [1] . فالترادف يتقلص مع الزمن ليقتصر على العدد القليل، فالكثرة الكاثرة تنحسر عن

(1) - الخطيب، أحمد شفيق. معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية، ص 745.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت