على الرغم من أن إحياء الألفاظ التراثية قد عمل على إغناء المصادر المصطلحية، إلا أنها من جانب آخر قد حملت عددًا من الإشكالات، مما دفع ببعض الدارسين إلى التقليل من شأن دور الألفاظ التراثية في تنمية اللغة، من مثل:
2 -2 - 1 - أن طريقة المجاز واستقراء المؤلفات القديمة تؤدي إلى توقيف لغوي خطير لأن هذه النزعة لا تتصور الثقافة إلا منغلقة، وتحيد عن استعمال الطرائق اللغوية المعهودة مثل الارتجال والاشتقاق والنحت والتركيب التي تكوّن أسس الصرف العربي وتساعد على تطوير العربية تطورًا حيويًا [1] . إلى جانب عدم كفاية المصطلحات العلمية الموجودة في اللغة العربية لسدّ حاجات ما جدّ من آراء ومسميات [2] . فالمفردات العربية محدودة مقارنة بالمستجدات الهائلة التي تحصل في جميع النواحي العلمية والتقنية والفكرية، فالمعجم التاريخي قد يحلّ جزءًا من المشكلة، غير أنه من الصعب الاعتماد عليه كثيرًا، لصعوبة استيعابه لكل مصطلح يناسب المصطلح المستحدث، بكل تفاصيله وتعقيداته من تراكيب ووظائف وغيرها.
2 -2 - 2 - كما أن استخدام المصطلح التراثي لمفهوم جديد قد يختلف عن مفهومه في التراث، فيحدث لبس عند ورود المصطلح ويجعل القارئ يتردد في فهم المصطلح بين الدلالة القديمة والدلالة الجديدة، وقد يؤدي هذا اللبس إلى سوء فهم [3] . كما أن توظيف المصطلح القديم لنقل مفاهيم جديدة من شأنه أن يفسد تمثل المفاهيم الواردة والمفاهيم المحلية على السواء. ولا يمكن إعادة تعريف المصطلح القديم وتخصيصه إذا كان موظفًا [4] . وهناك من يرى أنه لا بد من الاختلاف بين المفاهيم القديمة والجديدة، لأن الجديدة منها لا يمكن استعمالها، لاحتياجها إلى إشارات، فهذه الطريقة ليست مملة فحسب، لكن التنوعات النصية تقود إلى فوضى بين المفاهيم، قد تبدو متشابهة حتى في الاختلافات الهامشية [5] .
ومن جهة أخرى إن كل تغير في الحياة الاجتماعية يستتبع تغيرًا في المعاني والمفاهيم، وقد يصعب إيجاد الصفة المشتركة بين المصطلحين، القديم والجديد، إذ تتعدد أسس وضع المصطلحات، في الشكل أو الهيئة أو الحركة أو الوظيفة، أو الحجم، أو الطاقة، أو القدرة، أوغيرها، فوفق أي مجاز أو أساس يمكن وضع المصطلح الأنسب في مستجدات قد تحمل مدلولات متعددة ومتشعبة في تركيبها واستخدامها ووظيفتها؟ كما أن طريقة استقراء المصطلحات القديمة لإطلاقها على مصطلحات جديدة تستغرق وقتًا طويلًا وتستهلك جهدًا كبيرًا. وعلى الرغم مما توفره التقانات الحاسبية من جهد ووقت، غير أن برمجتها لإيجاد السمات المشتركة بين المفاهيم القديمة والحديثة، ليست بالأمر السهل.
وقد عُرض في ديباجة ندوة فاس (عام 2000 التي حملت عنوان الألفاظ الحضارية والتراثية) : أن ما يتطلبه المصطلح من تخصيص وشفافية في التدليل يتعارض مع الألفاظ التي لا تزال تجنح إلى التعبير الفني
(1) - ينظر: الحمزاوي. من قضايا المعجم العربي، ص 129.
(2) - محي الدين، عبد الرزاق. اللسان العربي، ج 5، ص 102.
(3) - حجازي، محمود فهمي. الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص 228
(4) - الفهري. اللسانيات واللغة العربية، ص 406.
(5) - الخطابي، إبراهيم. تنمية الألفاظ الحضارية، ندوة فاس، 2000