وقد رأت التوليدية أن الأنساق الصرفية تختلف من لغة إلى أخرى، وأهم ما يمتاز به صرف العربية أنه صرف غير سَلسَلي non concatenative أي أنه لا يركب بين سلسلة لفظية وسلسلة أخرى بضمها خطيًا، كما هو الشأن في الإنكليزية أو الفرنسية. ففي هاتين اللغتين تؤلف بين جذر ولاحقة أو سابقة للحصول على مفردة جديدة، من دون تغيير يذكر في البنية الداخلية أو للصيغة أصل الاشتقاق. أما العربية، فالاشتقاق فيها داخلي في كثير من الأحيان، وغالبًا ما يحدث تغير في صيغة الجذر أو أصل الاشتقاق للحصول على صيغة جديدة [2] .
1 -2 - 1 - اهتم المتقدمون بتتبع اشتقاق الأسماء لكشف معانيها على وجه الدقة, وقد اتخذ هذا البحث وجهة واضحة حين ألّف عدد من اللغويين منذ القرن الثاني الهجري كتبًا خاصة باشتقاق الأسماء، من ذلك ما ألفه الأصمعي وابن دريد والخوارزمي وغيرهم [3] .
وقد سارت العربية آنذاك في مسارين متوازيين، أحدهما في مجال التوسع والنمو والازدهار، مستوعبة حصيلة ما وصل إليه الفكر الإنساني في حقل المعرفة، والمسار الآخر يتمثل في بقائها موحدة ثابتة الأصول في بنيتها الصرفية وقواعدها النحوية والنطق بها، كما أخذت عن أهلها الأوليين الذين يحتج بهم. [4]
وخلص اللغويون وغيرهم ممن عنوا بالاشتقاق على اختلاف مشاربهم إلى أن العرب تشتق الكلام من بعض، لذلك جُعل الاشتقاق واحدًا من ضروب تصرّفهم في الكلام من بعض. وقد سارع ابن فارس إلى جعل هذا الاشتقاق مبنيًا على التوقيف، وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها [5] .
ويستثنى من ذلك قلة من اللغويين الذين أجازوا الاشتقاق من الأصول العربية وغيرها، وحجتهم أن (ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب) ، فهذا ما روي عن ابن جني عن أبي عثمان المازني:"ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه [6] . فلاحظ ابن جني في"
(1) - ينظر: الفهري. اللسانيات واللغة العربية، ص 71.
(2) - الفهري، عبد القادر الفاسي. اللسانيات واللغة العربية، ص 399.
(3) - ينظر: قدور، أحمد. المدخل إلى فقه اللغة، ص 137.
(4) - خليفة، عبد الكريم. اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، ص 28.
(5) - ينظر: الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، تحقيق مصطفى الشويمي، مؤسسة بدران، بيروت، 1964،.ص 67، والمزهر، 1/ 346.
(6) - الخصائص، 1/ 357.