بحقل دلالي آخر [1] . وأن المعجم القطاعي في علاقة دائمة مع المعجم العام، إذ يغرف الأول من الثاني ليختص ويستقل بعدد من المفردات. فهذه التشكلات في جلها تصبح ذات معان حقيقية حينما يجلبها المعجم القطاعي. ويغرف المعجم العام من المصطلح هذه المفردات التي اختص بمداليلها، ويدمجها في صورها المولدة، ليتسع حجمه، ويحول ما انغلق منها إلى مفردات عادية تدخل في الثقافة [2] .
وهكذا سيُدرس في هذا الفصل هذه الأشكال الدلالية المختلفة (من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز وغيرها) ، من خلال مستويات لغوية مختلفة في ضوء المناهج المصطلحية، فيعتمد على المنهج التاريخي من خلال إحياء الألفاظ التراثية، واستخدام مفردات قديمة وتوظيفها في مصطلحات حديثة، بقرينة الوظيفة أو الشكل أو الحركة، وغيرها من قرائن. وعلى المنهج الوصفي في دراسة المفردات العامية المحدثة، إلى جانب دراسة ظاهرة تعدد الدلالات والمصطلحات في ضوء نظرية الحقول الدلالية.
وسيقف البحث بداية عند المنهج التاريخي من خلال ظاهرة إحياء المفردات التراثية واستخدامها في المصطلحات المستحدثة. إذ اعتادت الدراسات التي تعرضت لدراسة المصطلح، التطرق إلى موضوع الألفاظ التراثية كطريقة من طرائق توليد المصطلحات، من خلال دراسات نظرية، تُبرز من خلالها أهمية هذه الألفاظ في التنمية اللغوية، أو تدرس أمثلة من الألفاظ التراثية من مصادر ومراجع مختلفة. غير أن هذه الفقرة تتفرد عن الدراسات السابقة، في أنها تنتهج منهجًا تطبيقيًا، بعرضها المشكلات التطبيقية التي تواجه المصطلحيين عند الاستعانة بالألفاظ التراثية، واقتراح الحلول الممكنة لمعالجة هذه المشكلات والصعوبات.
أمام كل تطور يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى التطور أيضًا في الألفاظ المعبرة عن أدواته ومواصلاته وصناعاته وملابسه وأبنيته، وقد يلجأ إزاء هذه الضرورة إلى إحياء الألفاظ القديمة ذات الدلالات المندثرة، يطلقها على مستحدثاته ملتمسًا في هذا أدنى ملابسة [3] . إذ كلما اتسعت حضارة الأمة، أدى ذلك إلى كثرة حاجاتها ومرافق حياتها، ورقي تفكيرها، وتعدد فنون القول فيها، ودقة مفرداتها القديمة، وأُدخلت فيها مفردات أخرى، بطرائق الوضع والاشتقاق والنحت والتركيب والتعريب والاقتباس للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة [4] ، فالتغير التقني والتشريعي وتغير الطبائع يؤدي إلى تغيرات في المعنى لا تحصى، أو إلى تعديل في العلاقات بين الدال ومضمونه المفهومي [5] . ويتم ذلك بأن التغيرات تكون في الأشياء والمسميات من دون الأسماء، ويشير هذا النوع من التغير الدلالي إلى صور متعددة منها إحياء لفظ قديم كان يدل على شيء غاب وانقرض، لسد
(1) - الفهري، عبد القادر الفاسي. اللسانيات واللغة العربية، ص 377.
(2) - ينظر: الفهري. المرجع نفسه، ص 397.
(3) - ينظر: أنيس، إبراهيم. دلالة الألفاظ. ص 146.
(4) - ينظر: وافي. علي عبد الواحد. علم اللغة. ص 179.
(5) - ينظر: جيرو، بيير. علم الدلالة، ترجمة منذر عيا شي، دار طلاس، دمشق، 1988، ص 113 - 114.