والمصطلحية)، والمرحلة الحديثة (بدراسة أثر النظريات اللغوية المنبثقة من النظريات العلمية في المناهج المصطلحية، كالمقارنة والتاريخية والوصفية والبنيوية والتحليلية والحقول الدلالية والسياقية والتوليدية) ، والمرحلة المعاصرة (بدراسة أثر التقانات الحاسبية في المناهج المصطلحية) ، مع الإشارة إلى أثر علوم أخرى تتداخل في المصطلحية، كهندسة المعرفة، وهندسة اللغة وعلم الوجود [1] . ستُشرح أسس هذه المناهج نظريًا في الفقرة القادمة، ثم تفصّل تطبيقيًا في الفصول التطبيقية اللاحقة.
شهدت الحركة المصطلحية مناهج مختلفة على مرّ العصور، تأثرًا بعلوم عدة أثرت في المجالات والاختصاصات المختلفة، بما في ذلك المجال اللغوي، إذ أسهمت هذه العلوم في إغناء المصادر المصطلحية على مختلف الصعد الصوتية والصرفية والدلالية. وقد اعتاد بعض الدراسات أن تعرض النظريات اللغوية، من دون الإشارة إلى خلفيات هذه النظريات، من فلسفية وعقدية وفكرية وعلمية وغيرها، ومن غير التعرض إلى منعكسات هذه النظريات وتأثيراتها في حركة التنمية اللغوية والمصطلحية. لذا سيسعى هذا البحث إلى إبراز دور بعض النظريات اللغوية في إغناء المناهج المصطلحية، وإلى إظهار مدى تأثير كل منهج وآفاقه وحدوده في إغناء هذه المصادر، من النواحي الصوتية والصرفية والدلالية، ومدى اختلاف مواقف القدماء والمعاصرين تجاه هذه المصادر باختلاف المناهج السائدة. من خلال منهج تاريخي تحليلي، يتطرق إلى أبرز ملامح هذه المناهج المصطلحية عبر عصورها المختلفة، بعرض أثر بعض الأفكار الفلسفية والمعتقدات التي أثرت في المناهج المصطلحية في العصور القديمة، وكيفية تطورها في العصور الوسطى، ثم عرض النظريات العلمية التي أثرت في المناهج اللغوية في العصر الحديث، فالتطرق إلى دراسة أثر تقانات الحاسب في تطور المناهج المصطلحية في الوقت المعاصر، من خلال دراسة نظرية وتطبيقية، بعرض أبرز ملامح هذه المؤثرات من الناحية النظرية في هذه الفقرة، ثم تفصيلها تطبيقيًا في الفصول اللاحقة، من دون التطرق إلى فكرة التأثر والتأثير بين الشعوب، لبعدها عن مجال البحث ومنهجه.
شغل فكر الإنسان منذ القدم قضايا تتصل باللغة ونشأتها وحياتها وعلاقاتها. وارتبط تصور الشعوب والأمم للغة قديمًا بتراثهم الثقافي وعقيدتهم الدينية، فأول ما لفت نظر الإنسان القديم الطبيعة بما فيها من عظمة خلقها وظواهرها، ما أدى إلى شيوع ديانات كانت تقوم على عبادة عناصر الطبيعة من ماء وهواء ونار وحجر
(1) - علم الوجود (ontology) يعود استعمال هذه الكلمة في الفلسفة إلى القرن السابع، وتعني علم الكينونة أي الذي يعنى بمبادئ الكائن من حيث هو كائن. ثم اكتسب في العصور الوسطى على يد السكولاسيتين حلة لاهوتية، الذين رأوا في وجود الله الوجود الحقيقي الوحيد. وهدف علم الوجود في الأخير هو استشكاف ماهية الأشياء، بغية النفاذ إلى طبيعة جوهرها وتعداد أنواعها، هذا من باب التنظير الأنتولوجي. وقد وضع شلينغ الأساس الأول لفلسفة الوجود الحديثة التي انطلقت من كتابات ماركس. و تقسم الأنتولوجيا في التقليد الفلسفي إلى نوعين، أنتولوجيا صورية التي تعني المبادئ العليا، وأنتولوجيا مادية التي تبحث في القوانين والمقولات العينية التي تحكم وجود الوقائع. فمن أنتولوجيا الصورية الميتافيزياء الأريسطوطالية وما شاكلها في العصور الوسطى، أما الأنتولوجيا المادية فيمكن رؤيتها دفينة في فرضيات العلوم التجريبية الحديثة. وتبرز انتولوجيا القرن العشرين عند هوسرل من خلال تفريقه بين انتولوجيا الاقتطاعية وانتولوجيا الصورية، فالاقتطاعية هي الاسم الذي يطلق على المبادئ التي يقوم عليها قطاع عام من العلوم، أما أنتولوجيا الصورية فتسمي مجموعة المبادئ المشتركة بين مختلف العلوم، وهي مبادئ الكينونة ومقولاتها. أما هارتمان فقد خصّ كل طبقة من طبقات الكائن بعلم أو مجموعة علوم يدرجها تحت هذه الطبقة، فهو يدرج الفيزياء والكيمياء مثلًا تحت الكينونة اللاعضوية كطبقة أنتولوجية.
للتفاصيل ينظر: معهد الإنماء العربي، الموسوعة الفلسفية العربية، 1986.