وهناك من يرى في الاشتقاق أنه من الأمور الرئيسة التي تفرَق بين اللغات السامية واللغات الهندية الأوروبية يظهر بجلاء حين نرى أن الطريقة الاشتقاقية العامة لهذه اللغات هي اعتماد جذر Radical ، ثم تضاف السوابق واللواحق دون أن يُمسّ الجذر، من حيث الزيادة أو النقصان أو الترتيب الأصلي للحروف. أما المفردات المتولدة من ذلك الجذر فتتفرق في تضاعيف المعجم لاختلاف السوابق التي تتصدر الجذر، دون أن تجمع ضمن مادة معجمية واحدة أو مدخل معجمي واحد، أما الطريقة الاشتقاقية للعربية وأخواتها فهي طريقة تكاثرية على نقيض تلك الطريقة التضاممية التي وصِفت آنفًا. فالعربية تعتمد الاشتقاق على أصل Racine متحرك غير جامد، أي أن حروف الأصل تتداخل وحروف الزيادة أو البناء. فيكون من ذلك شكل تبدو فيه الكلمة وكأنها قد أذيبت، ثم صيغت محتفظة بمادتها الأصلية لكن بقالب جديد [1] .
1 -1 - 3 - حاولت آراء أخرى تفسير الاشتقاق وفق المنهج التاريخي، رأت أن تاريخ اللغات يظهر لنا أن اللغات في بادئ الأمر لم يكن لها سوابق Prefixes ولا لواحق suffixes بل كان لها جذور فقط، وكانت هذه السوابق واللواحق في الأصل ألفاظًا قائمة بذاتها، ثم التصقت بالجذور فصارت أدوات غير قائمة بذاتها [2] . وهناك من رأى أنه قد تتأصل بعض الإضافات في اللغات الأوروبية حتى تتوهم أصالتها ثم يشتق من الكلمة كلمة أخرى بإضافة زوائد جديدة حتى يضيع أصل الكلمة [3] .
وفي ضوء النظريات الطبيعية والتاريخية رأى الإيطالي فيكو Vico (1668 - 1744) أن الإنسان في بادئ الأمر لم يكن يعرف سوى الألفاظ التي تقلد الأصوات الطبيعية، ثم ظهرت أدوات التعجب لأن العواطف العنيفة لا يمكن التعبير عنها إلا بوساطة ألفاظ وحيدة المقطع مثل الضمائر التي أعقبت أدوات التعجب، ونشأت بعدئذ جزئيات لفظية غالبًا ما كانت وحيدة المقطع تألفت منها معظم حروف الجر. وظهرت بعدها الأسماء والأفعال لأن الجزئيات اللفظية تدخل في تركيب الأسماء والأفعال [4] .
وقدم بعض اللغويين المتأثرين بالمنهج التاريخي تعليلاتهم في نشأة الكلام، إذ رأوا أن الأوروبيين أخذوا من الهنود مفهومهم للجذر، لكن هذا المفهوم بدلًا من أن يساعدهم على إيجاد وصف أفضل لبنيات الألفاظ، راحوا يستغلونه بصورة مجازية أو ميتافيزيقية حتى ينطلقوا في البحث عن اللغة الأصلية [5] .
وقد تبدى المنهج التاريخي التطوري عند اللغويين العرب المعاصرين بمفهومهم للجذر في اللغة وما ارتبط به من مباحث تتناول النشأة والنمو والتزيد، فقد رشحت فكرة المحاكاة للأصوات في الطبيعة أو الناجمة عن الإنسان إلى عدد من اللغويين، كجرجي زيدان وإبراهيم اليازجي وأحمد رضا والعلايلي ورفائيل نخلة، وقد أقام
(1) - ينظر: قدور، أحمد. المدخل إلى فقه اللغة العربية، ص 135 - 136.
(2) - غصن، مارون. مجلة المجمع العلمي، في"افتقار العربية إلى كلمات جديدة"دمشق، ك 1 1928،ج 12، المجلد 8، ص 747.
(3) - المبارك، محمد. فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، بيروت، ط 3،1963، ص 101.
(4) - مونان، جورج. تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين. ص 142.
(5) - مونان، جورج. المرجع نفسه، ص 159