فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 232

هؤلاء على أساس هذه النظرية مفهومَهم لتشكل الجذر في مقطعه الأحادي الأول ثم بالتركيب والجمع صار الجذر ثنائيًا ثم كان الحرف المزيد الذي أعطى المادة هيكلها الثلاثي وهو ما استقرت عليه العربية الفصحى [1] .

واعتمادًا على هذه القطيعة حاولوا تمييز مصطلحين اثنين للثنائية هما الثنائية التاريخية والثنائية المعجمية، الأولى الثنائية التاريخية التي تفسر نشأة اللغة الإنسانية إلى محاكاة الأصوات الطبيعية كتقليد الإنسان أصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة أو تعبيره عن انفعالاته الخاصة أو عن الأفعال التي تحدث عند وقوعها أصواتًا معينة. أما الثانية، فهي الثنائية المعجمية في نقلها إلى المعجمات حين يضاف إليها صوت أو أكثر لتصبح المواد ثلاثية أو رباعية وترتد إلى أصلها الثنائي، لكن الرابط المنطقي لا ينفك يُلمَح بين تلك الصيغ المزيدة وأصولها الثنائية في نشأتها الأولى، أو بين صورتها الأصلية المجردة وصورتها المتطورة المزيدة جامعًا معنويًا مشتركًا، إذ يرى أصحاب الثنائية أن زيادة المادة الصوتية ربما أوحت بفارق معنوي جديد، لكنها غالبًا تحتفظ بجوهر المعنى الأصلي القديم [2] .

ورأى أتباع المنهج التاريخي أيضًا أنه يمكن من خلال علم صيغ الألفاظ (المورفولوجيا) بالتعاون مع علم الدلالة تأريخ ظهور صيغ واختفاء أخرى، وانتقال بعض الصيغ من زمرة دلالية إلى أخرى تلبية لحاجة العصر المتطور [3] . فلاحظوا تأثرًا بهذه النظرية أن الصيغ الصرفية لا تسير في خطّ التبسيط في التطور اللغوي، بل تتجاوب مع حاجة المتكلمين، فبعض الصيغ يستحدث وبعضها الآخر يهجر حتى يندثر تمامًا [4] . وصيغ صرفية تتسع أو تضيق أو تختفي أو تتخصص وتتغير بحسب الحاجة. وعليه ثمة من رأى أن من أوائل صيغ الأفعال ظهورًا فعل الأمر، ومن أواخرها صيغة المصدر، وأن اسم الفاعل واسم المفعول كانا أقدم ظهورًا في اللغات من اسم الآلة، وأن بعض الأدوات التي تفيد معنى زائدًا على صيغة الفعل مثل السين وسوف، قد تأخرت في الظهور نسبيًا، ومثل هذا يقال في أدوات التعريف التي تأخرت في الظهور. أما الصيغ المزيدة من الأسماء والأفعال فهي تنشأ في اللغات في عصور متفاوتة وبحسب الحاجة أيضًا. ثم إن استعمالها يقل ويكثر بنسب متفاوتة كزيادة الألف والنون [5] .

وهناك من رأى أنه تنشأ في ذهن الإنسان خلال تطوره الفكري والاجتماعي معان جديدة تحتاج إلى قوالب أو صيغ جديدة وقد حدث شيء من هذا في تاريخ العربية فقد استعمل في العصر العباسي ما سموه المصدر الصناعي كالإنسانية والحيوانية. وهناك صيغ أميتت وبقيت بواق قليلة تدل عليها، مثل وزن فعلوت كملكوت وجبروت [6] . ومن ذلك أيضًا نشوء صيغ جديدة في عصور بعد الإسلام كإضافة الألف والنون مع ياء النسبة مثل

(1) - ينظر: قاسم، رياض. اتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي، ص 481.

(2) - ينظر: قاسم، رياض المرجع السابق، ص 79، وما يليها.

(3) - طليمات، غازي. في علم اللغة، ص 120.

(4) - ظاظا، حسن. اللسان والإنسان، دار الفكر العربي، القاهرة،1971، ص 91.

(5) - ظاظا، حسن. المرجع نفسه، ص 90 - 91.

(6) - ينظر: المبارك، محمد. خصائص العربية، ص 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت