لإغناء المصادر المصطلحية، لئلا يأتي يوم يحاسب فيه الخلف لأجدادهم السلف على إهمالهم للعاميات، كما يحدث الآن حين ينتقد المحدثون مناهج القدماء الذين حرموا تدوين مستويات لغوية مختلفة، نتيجة معاييرهم المنطقية المتشددة آنذاك [1] .
وهكذا اختلفت الآراء تجاه إشكالية المسؤول عن وضع اللغة باختلاف المناهج التي أثرت في حركة التنمية اللغوية والمصطلحية، فقد احتار المحافظون المعياريون في حصر هذا الحق، بين اللغوي العارف بأصول اللغة ومسالكها وإمكاناتها، القادر على التصرف فيها وتطويعها، أو بين العالم المتخصص الملم بالموضوع الواقف على خباياه ومضامينه؟ وهناك من يرى أنهما يكملان بعضهما. مشيرًا إلى أنه ليست المصطلحات العلمية من وضع العالم وحده بل يشاركه فيها أحيانًا الناقل المترجم، ومن المترجمين من لم يتخصص فيما يترجمه ويكتفي بمعرفته للغة المنقول عنها والمنقول إليها، وقد تكون هذه المعرفة نفسها محدودة فتسيء إلى العلم والترجمة معًا [2] .
في حين يحتار الوصفيون في مسؤولية وضع المصطلحات، فيما بين اللغويين والمستعملين، فيرون أنه على الرغم من أهمية دور اللغويين نظرًا لاختصاصاتهم اللغوية، غير أن التجربة أثبتت أن ما وضعوه وجمعوه ظلّ شبه حبيس في صفحات المعاجم، لعدم قدرة التحكم في تقنية نقل هاته المصطلحات للمستعملين، أما المستعملون فنظرًا إلى عدم تخصصهم اللغوي في الإنتاج الاصطلاحي، الأمر الذي يؤدي إلى الانزلاق في متاهات الأخطاء الإبداعية، لكن الفضل يرجع إليهم في أن المصطلح المبدع لا يبقى حبيس الصفحات، ويروّج له بالاستعمال مع مسمياته. إذ يلاحظ أن لكل فرضية حقها في التخوف، وثمة اقتراح ثالث يتمثل في إسناد العملية الاصطلاحية إلى رجل لغوي ومستعمل في الوقت نفسه، ليحقق الشرطين. [3]
3 -2 - 1 - 2 - أما المسؤولون عن وضع المصطلحات على مستوى الهيئات، فيلاحظ أن للتنمية المصطلحية جانبين، أحدهما خاص باللغة نفسها بتنميتها الموحدة للتعبير عن الحضارة المعاصرة، والثاني خاص بإيجاد الخطة اللغوية الهادفة إلى جعل هذه الجهود فعالة في المجتمع، ما يسهل التواصل اللغوي. ويرتبط تطبيق التوحيد اللغوي المعياري والتحديث بقضية التخطيط اللغوي language planning ، فلا تقتصر التنمية
(1) - لعل من الشواهد التي تدل على تلافي هذا النقص في الثروة اللغوية العربية في العصر الحديث، المعجمات والكتيبات العديدة التي حاولت رصد جوانب من بعض اللهجات العامية، من مثل:"قاموس ردّ العامي إلى الفصيح"لأحمد رضا، و"معجم الألفاظ العامية"لأنيس فريحة، و"قاموس العوام"لحليم دموس، و"معجم عطية في العامي والدخيل"لرشيد عطية، غير أن من أهم هذه الأعمال من حيث تعدد المناهج وغنى المواد وتنوعها، هي"موسوعة حلب المقارنة"لخير الدين الأسدي، التي طبعت في معهد التراث في جامعة حلب، تقديرًا لأهمية هذه الموسوعة، التي يمكن عدّها وثيقة تاريخية لتراث مدينة حلب في العصر الحديث. ... للتفاصيل: زفنكي، صافية. اللهجات العامية وشرعيتها اللغوية والتراثية - موسوعة الأسدي نموذجًا، ندوة التراث الثقافي غير المادي لمدينة حلب، ضمن احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، 2006.
(2) - الديداوي، محمد. إشكالية وضع المصطلح المتخصص (توحيده وتوصيله وتفهيمه وحوْسبته) ، مكتب الأمم المتحدة في جنيف، 2004.ص 5.
(3) - طبي، محمد. وضع المصطلح، ص 42 - 43.