النقص في الثروة اللفظية، ويكون باعتماد عنصر المشابهة بين الشيء القديم الذي كان له الاسم، والشيء الجديد الذي صار له [1] .
يلاحظ أن الحركة المصطلحية تتطور مع تغير الحركات الحضارية أو الفكرية أو السياسية أو العلمية أو غيرها. وقد شهدت اللغة العربية ظاهرة الاستعانة بالألفاظ التراثية في مراحل مختلفة من تاريخها.
فقضية المصطلح قضية قديمة حديثة، تتفجر عند كل تحول في المسيرة الإنسانية، من توسع حضاري، أو تغير فكري، أو تطور تقني. إذ إن المصطلح ليس شيئًا خاصًا بالحضارة، وإن كان هو من مظاهرها، لأن المصطلح شيء حاصل لدى الأمم في مراحلها الحضارية المختلفة، وهذا يعني أن الحياة البدائية، ومنها مرحلة البداوة والرعي حافلة بمصطلحات خاصة، كذلك مرحلة الزراعة والاستقرار، ومثلها مراحل الحضارة المتطورة، إلى أن صارت حضارة صناعية.
إذ نلتمس المصطلح البدائي القديم في أسماء الأدوات التي استعملوها فكان لها معجم خاص [2] . ففي العصر الجاهلي أطلقوا على آلة القياس مصطلح الذراع. وهذا من باب التوسع في استعمال أسماء أجزاء الجسم الإنساني للدلالة على أشياء، هي في حدّ ذاتها محسوسة ومألوفة. كما ظهرت الحاجة إلى الاصطلاح عند ظهور الإسلام الذي استوعب تحركًا تاريخيًا مختلف الأبعاد، ومختلف المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. فكان نص القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى الأمين، فاتحة دراسات إسلامية، واقتضت علوم الفقه والحديث والتفسير والتشريع وغيرها من العلوم الإسلامية، وتسمى العلوم النقلية، وضع مصطلحات عديدة استنبطوها من صلب اللغة العربية، فزادت في تنمية اللغة العربية وتطويرها وإمدادها بالمادة اللغوية الضرورية للتعبير عن المفاهيم العلمية والحضارية الناشئة، فأضيفت كلمات وعبارات إلى الاستعمالات الدينية [3] . ففي مرحلة انتقال العرب من الجاهلية إلى حضارة الإسلام، تطورت ألفاظ عديدة من معان مادية إلى معان روحية مختلفة، كما في الآية، والآذان، والصلاة، والقبلة، والزكاة، والوتد، والرفع، والنصب [4] .
واقتضت علوم الفقه والتفسير وغيرها وتسمى العلوم النقلية، بدءًا من أيام الراشدين والأمويين، وضع مصطلحات عديدة اقتبسوها من اللغة العربية، بوسائل الاشتقاق والمجاز والتضمين. وقد وضعت في العلوم العربية جملة كبيرة من المصطلحات الجديدة، فأسماء تلك العلوم نفسها كالصرف والنحو والعروض والبيان والبديع والمعاني تبدلت معانيها اللغوية، إلى معان جديدة. ولما امتدت الفتوح واتسعت رقعة الدولة أصبحت الحاجة ماسّة إلى مصطلحات إدارية وسياسية جمة، فحوروا معاني بعض الألفاظ العربية حتى صارت تلبي
(1) - قدور، أحمد. مصنفات اللحن والتثقيف اللغوي حتى القرن العاشر الهجري، وزارة الثقافة، دمشق، 1996. ص 298 - 299.
(2) - ينظر: السامرائي، إبراهيم. في شعاب العربية، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1990 ص 99 - 100.
(3) - ينظر: الشهابي. مصطفى. المصطلحات العلمية (في القديم والحديث) ، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، 1955، ص 22 - 23. والشاوني، أحمد بن عبد الله. ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية، في"مفهوم المصطلح ومنهج دراسته"ص 69.
(4) - ينظر: عبد الباقي، ضاحي. المصطلحات العلمية قبل النهضة الحديثة، ص 52 - 53.