فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 232

في عصر الاستشهاد، ورفضوا القياس عليه بعد ذلك، ثم ازداد هذا الاحتياط شدة بأن حاولوا جاهدين إخضاعه لمسلك الصيغ العربية في الإلحاق والتغيير والعلامات، لكن هذا الجهد قصر عن الإحاطة التامة باستعمال الكلمات الأجنبية المتعددة المصادر والاستعمال، فجاءت نتائجه عامة غير منضبطة وغير مقنعة [1] . ورأوا أن أدلة الفريقين من القدماء- أي السماعيين والقياسيين- واهنة، لا تثبت على البحث ولا تقوى على التمحيص فمن ثم لا تتخذ طريقها إلى العقل. [2] وأنه ليس في كلام أهل اللغة من القدماء ما يشير صراحة إلى سماعية التعريب بمعنى أنه لا يجوز لغير العرب من المتكلمين بالعربية أن يعربوا الكلمات الأعجمية، كذلك ليس في كلامهم ما ينص صراحة على قياسيته، بمعنى أنه يجوز لغير العرب المحتج بلغتهم أن يعرب [3] .

قبل عرض مشكلات التعريب، لابد من التعرف إلى مناهج القدماء في التعريب.

كان العرب القدماء عندما يضطرون إلى استخدام لفظ أجنبي في كلامهم، يعمدون إلى تعريبه، وذلك بأن يجروا عليه من التغييرات والتعديلات ما يجعله على نسق الألفاظ العربية في نطقه، وإعرابه، واشتقاقه، فيصبح خاضعًا لكل القوانين والأحكام التي يجري تطبيقها على الألفاظ العربية. [4]

وعاملت العرب المعرَّب معاملة العربي، فاشتقوا منه كاشتقاقهم من العربي، فقد أجاز الخليل بن أحمد الفراهيدي أن يشتق من كلمة (باشق) ، وهو الصقر الصغير، الفعل (بَشَقَ) ، فقال:"ولو اُشتق من فعل الباشق: بَشَق لجاز، وهي فارسية عربت للأجدل الصغير" [5] .

واختلف أهل اللغة قديمًا في شرط التعريب: فذهب جمهور إلى أنه لا يشترط فيه سوى الاستعمال، فمتى استعملت العرب الكلمة الأعجمية صارت معربة، سواء أألحقوها بأوزان كلماتهم أم لم يلحقوها. وإلى هذا ذهب سيبويه، في عبارته"هذا باب ما أعرب من الأعجمية [6] : اعلم أنهم يغيرون من الحروف الأعجمية ما ليس من حروفهم البتة، فربما ألحقوها ببناء كلامهم، فـ (درهم) ألحقوه ببناء (هجرع) ، و (بهرج) ألحقوه ببناء (سلهب) ، و (دينار) ألحقوه ببناء (ديماس) ، و (ديباج) ألحقوه ببناء (ديماس) كذلك، لما أرادوا أن يعربوه ببناء كلامهم، كما يلحقون الحروف بالحروف العربية، وربما غيروا حاله عن حاله في الأعجمية في إلحاقهم بالعربية غير الحروف العربية، فأبدلوا مكان الحرف الذي هو للعرب عربيًا غيره، وغيروا الحركة، وأبدلوا مكان الزيادة، ولا يبلغون به"

(1) - عيد، محمد. الظواهر الطارئة، ص 128.

(2) - حسن، عباس. المرجع نفسه، ص 225.

(3) - أنطاكي. الوجيز في فقه اللغة، ص 436 - 437.

(4) - رواي، صلاح. خصائص العربية وطرائق نموها، ص 252.

(5) - ينظر: العين، 4/ 46.

(6) - ينظر: أنطاكي، محمد. الوجيز في اللغة، ص 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت