فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 232

اختلف منظور اللغويين إلى مفهوم الاشتقاق المعنوي وأشكاله وتقسيماته وعلاقاته باختلاف المدارس التي تأثروا بها.

1 -1 - فقد ميّز القدماء بين الحقيقة والمجاز، فوصفوا الحقيقة بأنها الدلالة الأصلية للفظ من الألفاظ، وأن المسؤول عنها هو الواضع الأول للغة، كما وصفوا المجاز بأنه ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، فقد رأى المنطقيون أن المجاز هو استعمال الكلمة في معنى غير معناها الأصلي على أن يكون بين المعنيين علاقة، وأن تكون هناك قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، والعلاقة قد تكون المشابهة ويسمى هذا النوع من المجاز الاستعارة أو المجاز الاستعاري، وقد تكون العلاقة غير ذلك كما في المجاز المرسل، من مثل: جزئية، كلية، سببية، وتسمية السبب باسم المسبب، وغير ذلك [1] .

1 -2 - غير أن تقسيم القدماء للغة إلى حقيقة ومجاز، كان محطّّ انتقاد الباحثين المتأثرين بالمنهج التاريخي، الذين رأوا أن تصنيف الدلالات إلى دلالة حقيقية ودلالة مجازية يعكس تصورًا استاتيكيًا للغة، وكأن اللغة قد حددت معنى حقيقيًا ثابتًا لكل لفظ من الألفاظ إن خرج عنه المعنى أصبح مجازًا، فمن الصعب تحديد المعنى الأصلي الأول للكلمة، لأن اللغة لم تصل إلينا في طور نشأتها، بل بعد آلاف السنين من التداول الشفوي [2] . كما رفضوا التقسيمات المنطقية في أنواع الدلالة عند القدماء، كالكناية والمجاز والاستعارة والتشبيه وغيرها، ورأوا أن هذه الأشكال ما هي إلا أنواع من تغير المعنى أو تحولات دلالية (من تعميم أو تخصيص أو انتقال) ، تحدث لأسباب وأشكال مختلفة. فقد تقوم على المشابهة بين المدلولين أو أخذ الجزء مكان الكل، أو تجاور المعاني وغيرها. وعليه فقد رأوا في المجاز طريقة في التوسع اللغوي تستمد من اللغة نفسها، وتفيد من عناصرها اللفظية المائتة والمهجورة [3] .

1 -3 - كما كان تقسيم القدماء للدلالة إلى حقيقة ومجاز محطّ انتقاد الباحثين المتأثرين بالدراسات الوصفية، الذين رأوا أن من أبرز نواحي الضعف في علاج القدماء للحقيقة والمجاز أنهم تصوروا ما سموه بالوضع الأول، وتحدثوا عن الوضع الأصلي، ولم يدركوا أن حديثهم في نشأة الدلالات ليست في الحقيقة إلا خوضًا في النشأة اللغوية للإنسان، تلك التي أصبحت من مباحث ما وراء الطبيعة، والتي هجرها اللغويون المحدثون وأصبحوا الآن يقنعون ببحث اللغة وتطورها في العصور التاريخية، فقد كان العرب ينظرون إلى اللغة عبر عصورها المختلفة على أنها من عصر واحد [4] .

1 -4 - ورأى الباحثون المتأثرون بنظرية الحقول الدلالية، أن المجاز والاستعارة من صور تغير الحقول الدلالية بوساطة التعميم عبر الحقول، وأنها وسيلة للتوسع في المعنى، فيحتفظ الفعل ببنيته الدلالية ولا يغير إلا الجزء الذي يتعلق بالحقل الدلالي المختار (الملكية، المعاينة، الحركة) ، وأن ما يقع هو أن بنية حقل دلالي تطعم

(1) - ينظر: القزويني. الخطيب. الإيضاح في علوم البلاغة، 2/ 399.

(2) - ينظر: حجازي، محمود فهمي. علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة، ص 55.

(3) - خليفة، عبد الكريم. التعريب في العصر الحديث، ص 230.

(4) - ينظر: أنيس، إبراهيم. دلالة الألفاظ، ص 128 - 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت