الأطفال والعامة، بل القياس فيها مباح للموثوق من أدبائنا وشعرائنا [1] . وهناك من رأى أنه ينبغي أن تحارب المؤسسات المعنية الإقليمية البغيضة في وضع المصطلح واختياره، بل وتحث الخطا نحو تأطير العمل المصطلحي العربي بالمفاهيم المصطلحية الدولية واحترام عدد من ثوابتها النهائية [2] .
وقد كان من توصيات ندوة فاس (2000) في هذا المجال، أن دعت إلى ضرورة إشراك اللغوي إلى جانب العالم المختص في ميدان معين في أثناء وضع مصطلح عربي لمفهوم علمي من دون غض الطرف عن رأي المستعملين.
ومن توصيات المؤتمر الثالث لمجمع دمشق (2004) فيما يخص العاميات والثروة المفرداتية، دعوته إلى التوجه إلى جامعة الدول العربية والحكومات العربية لإصدار القوانين والأنظمة المتعلقة بحماية اللغة العربية والتمسك بالفصحى درءًا للعاميات المتعددة والألفاظ الأجنبية الغازية. فموقف مجمع دمشق يعكس موقفًا معياريًا محافظًا.
وهذه المواقف المتشددة تجاه إدخال العاميات في الرصيد اللغوي تستدعي وقفة والتفاتة، إذ يلاحظ أن اختلاف العاميات وانتشارها لم يهدد وجود أية لغة مهما اتسعت مساحاتها أو تباعدت رقعاتها، فما من أحد يستطيع أن ينكر أن الإسبانية هي لغة معظم دول أمريكة اللاتينية، وأن الإنكليزية هي لغة بريطانية والولايات المتحدة وأوسترالية وجزء من كندا، وأن الفرنسية هي لغة فرنسة وبلجيكة ولوكسمبورغ، فعلى الرغم من التباعد الجغرافي بين هذه الدول، ليس هناك من ينكر أصل اللغات المتداولة فيها، فكيف باللغة العربية التي تتمركز دولها في رقعة جغرافية واحدة ومتلاصقة. فلا يمكن أن يحدث أي خطر إذا استعان المصطلحيون بالمفردات العامية لإثراء المصادر المصطلحية، ومن ثمّ لا يعيب المعجم العربي إذا ضمّن مفردات عامية شائعة، ونسبها إلى إقليمها أو منطقتها، مادامت تشكل جزءًا من الثروة اللغوية العربية، فهي أحقّ في جعلها جزءًا من رصيد المخزون المصطلحي مقارنة بالمصطلحات الأجنبية، التي دخلت في رصيد المعجم اللغوي العربي، من مفردات وأساليب وتعابير بالإضافة إلى تراكيب صرفية لُقحت في مفردات عربية، وقد اعترفت بها المجامع اللغوية العربية وأدخلتها في معجماتها.
أليست اللهجات العامية أحقّ في جعلها جزءًا من رصيد المخزون المصطلحي؟ بما تمتاز من طاقات هائلة في المفردات والأساليب والأبنية الصرفية والصيغ، يمكن استغلالها لإغناء اللغة العربية، لأنها جزء من هذه اللغة، كما أن الاستعانة بالمفردات العامية وتراكيبها وصيغها وأساليبها قد تعمل على تقريب اللهجات بدلًا من تغريبها وتباعدها.
يشار هنا إلى أن هذه اللفتة إلى أهمية تدوين العاميات ومعجمتها، لا يعني إلغاء دور اللغة العربية الفصيحة، التي تبقى اللغة المشتركة بين البلاد العربية كافة. إنما الغرض هو لفت الانتباه إلى ضرورة تدوين العامية ومعجمتها في معجمات مستقلة عن المعجمات اللغوية الفصيحة، من أجل الاستفادة منها صرفيًا ودلاليًا،
(1) - ينظر: عبد العزيز، محمد حسن. القياس في اللغة العربية، ص 133.
(2) - سماعنة، جواد حسني. منهجية في وضع المصطلح العربي، في"ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية"، ص 94.