وهكذا رفض بعض اللغويين المعاصرين معيارية القدماء، ودعوا إلى ضرورة العناية باللغة العامة، وعدم حصر اللغة على العلماء والفقهاء.
وكان موقف مجمع اللغة العربية في القاهرة من لغة العامة هو [1] "أن يستبدل بالكلمات العامية والأعجمية التي لم تُعرَّب غيرها من الألفاظ العربية، وذلك بأن يبحث أولًا عن ألفاظ عربية لها في مظانها، فإذا لم يجد بعد البحث أسماء عربية لها، وضع أسماء جديدة بطرائق الوضع المعروفة من اشتقاق، أو مجاز، أو غير ذلك". وقد كان لهذا الموقف الذي اتخذه مجمع القاهرة اعتراضات وانتقادات لدى بعضهم؛ فمنهم من رأى أن مجمع القاهرة بدأ نشاطه بتحريم العامية كذخيرة لتزويد العربية، إلا أنه في القرارات التي تخصّ المصطلحات الأجنبية يلاحظ أن المجمع فضّل اللغات الأجنبية على العامية، بعدّها مصدرًا لإغناء الثروة المفرداتية العربية، ويشير الباحث هنا إلى أن الظروف التاريخية تغيرت، وأن العامية لم تهدِّد العربية الفصيحة، وأن التوحيد اللغوي أصبح حقيقة، ويلمّح إلى أنه على الرغم من قرار المجمع هذا، إلا أنه اعترف ضمنًا بالعامية، فشرع قواعد العامية ثروة للغة. ومن أمثلة قرارات المجمع في هذا المجال إقراره كلمات مثل: خيشوم، وعصعص [2] .
وانتقد باحث آخر موقف مجمع القاهرة، بأن الصواب - في رأيه - لا يمكن أن تقرره سلطة مهما كانت مكانتها، سواء أكانت سلطة فرد أم كتاب، وسواء أتم ذلك عن طريق تطبيق المنطق والقياس أم تطور اللغة التاريخي. وبدلًا من ذلك فإن الصواب يجب أن يقرره الاستعمال الفعلي للمثقفين من الناطقين بتلك اللغة [3] . وثمة انتقاد آخر لموقف مجمع القاهرة بأنه سلفية لغوية، تنزع في بعض مظاهرها المتطرفة إلى نوع من التوقيف اللغوي، وأن هذه النزعة التمجيدية المثالية هي من خصائص الثقافات التي تدعو إلى التطور مع المحافظة على وحدتها [4] .
وظلت مسألة العاميات مثار جدل ونقاش وتحفظ من قبل باحثين معاصرين خارج مجمع القاهرة، فهناك من دعا إلى قبول المصطلحات العامية مدعيًا أنها تغني الفصحى، وتسدّ نقصًا حاصلًا، ولاسيما إن كانت هذه الألفاظ يمكن تهذيبها وتفصيحها، وردّ اعتبارها بإرجاعها إلى أصل فصيح، لأن استعمالها خير من السماح لألفاظ وتعابير أعجمية بدخول معجم استعمالنا ومصطلحاتنا [5] . ومثل هذه الآراء المتقبلة للعاميات جاءت متأثرة ببعض النظريات اللغوية الحديثة، ولاسيما المناهج الوصفية التي ركزت على اللغات الحية والمستعملة.
إلا أن ثمة فريقًا تحفظ تجاه الإفادة من المستويات الاجتماعية المختلفة للهجات في الاصطلاح، ورأى أن للعربية خصوصية في هذا المجال، فهي ليست - كغيرها- من اللغات متروكة لسنة التطور، والقياس فيها بأيدي
(1) - مدكور، إبراهيم. مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا، ص 139.
(3) - القاسمي. علم اللغة وصناعة المعجم، ص 133.
(4) - الحمزاوي. من قضايا المعجم العربي، ص 116.
(5) - للتفصيل ينظر: الحمد، علي توفيق. في المصطلح العربي (قراءة في شروطه وتوحيده) ، مجلة"التعريب"، العدد العشرون، ص 47.