وغيرها. واعتمادًا على عبادة الطبيعة برزت نظرية المحاكاة الصوتية، التي ترى أن اللغة الإنسانية نشأت من تقليد الصيحات أو الضجة الطبيعية، كمحاكاة الإنسان للأصوات التي تصدر من الحيوانات والأشياء، وغيرها من العناصر الطبيعية، ويمكن عدّ هذه النظرية من أقدم النظريات في نشوء اللغة.
ثم انتقلت عبادة الإنسان من الطبيعة إلى خالق هذه الطبيعة، فأسقطوا على اللغة شيئًا من العقائد الدينية المهيمنة، فرأى المصريون القدماء أن الإله"تحوت"هو قلب"رع"ولسانه، وعن طريقه نطقت وصية الله في الأرض، فوجدت الخليقة، كما تخيل اليونان وجود خالق للغة والكتابة، وخلع الهنود على لغتهم السنسكريتية صفة القداسة [1] .
ثم تابع القدماء البحث في نشأة اللغة وتطورها وفق تصورات مختلفة باختلاف المناهج السائدة. وبزغت في الفكر اليوناني على شكل تأملات فلسفية، فنظرة علماء اليونان إلى اللغة يطبعها الاعتماد على مقولات المنطق ومبادئه، ويعود السبب إلى أن أولئك كانوا فلاسفة أكثر من كونهم علماء دين [2] . فالاتجاه الجدلي في فلسفة اللغة، قد دفع اللغويين القدماء إلى التساؤل عن ماهية اللغة وعن أصلها، وعن ماهية الكلمة، وتساءلوا: هل هناك علاقة طبيعية وضرورية بين الكلمة والشيء الذي ترمز إليه؟ أتعلق المعاني بالكلمة تعلق بالطبع أم تعلق بالاصطلاح [3] ؟
وقد ظهر فريقان متعارضان في مسألة نشأة اللغات آنذاك، فيذهب فريق متأثر بالدين إلى أن اللغة توقيفية، ويرى أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية يرجع إلى إلهام إلهي هبط على الإنسان، فعلمه النطق وأسماء الأشياء، وإلى هذا الرأي ذهب الفيلسوف هيراقليط Heraclit ، ثم تابعه فريق من الأوروبيين، وشفعوا رأيهم بما ورد في سفر التكوين من خبر آدم [4] . الذي سمّى جميع البهائم والحيوانات البرية والطيور بأسمائها. ثم تردد هذا اللغو من الكلام على لسان كثير من المفكرين منذ الشاعر غوته إلى المؤرخ رونان، ومن الفيلسوف همبولدت Humboldt إلى العلامة موتنير Mauthner ، ومن اللغوي فندريس Vendrys إلى ريفيز Revesz وتوفار Tovar وغيرهم [5] .
وثانيهما أن اللغة ابتدعت واستحدثت بالتواضع والاتفاق، وارتجال ألفاظها ارتجالًا. وقد ذهب إلى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني ديموقريط Democrite وهو من فلاسفة القرن الخامس قبل الميلاد [6] .
(1) - ياقوت، محمود سليمان. منهج البحث اللغوي، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2000.ص 15 - 16
(2) - ياقوت، محمود سليمان. المرجع نفسه، ص 20
(3) - السعران، محمود. علم اللغة (مقدمة للقارئ العربي) ، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، مطبعة الروضة، دمشق، 1994، ص 319.
(4) - طليمات، غازي. في علم اللغة، دار طلاس، دمشق، 1997 ص 94.
(5) - مونان، جورج. تاريخ علم اللغة (منذ نشأتها حتى القرن العشرين) ، ترجمة بدر الدين القاسم، جامعة حلب، 1982، ص 20.
(6) - طليمات، غازي. المرجع السابق، ص 94.