فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 232

وثمة جدلية أخرى أُثيرت منذ القدم، حول العلاقة بين اللغة والفكر، ففي محاورات أفلاطون (كراتيلاس) يظهر نقاش لغوي له طابعه الفلسفي بين المتحاورين، يدور حوارهما في طبيعة العلاقة بين الأشياء والألفاظ التي تدل عليها أهي علاقة طبيعية ضرورية أم علاقة عرفية واتفاق بين الناس [1] .

واتجه كتاب العصر الوسيط إلى التفكير في اللغة، من وجهة نظر منطقية كانت نامية آنذاك، فساد النزاع بين أصحاب النظرية الواقعية والنظرية السيمية، وهو نزاع قديم حلّ محل النقاش الإغريقي بين أولئك الذين عدّوا اللغة جزءًا من الواقع الطبيعي وأولئك الذين عدّوها من خلق الفكر، فالواقعيون الذين ينحدرون من أفلاطون رأوا في الألفاظ تجسيمًا"للمثل"وإن ثمة علاقة ذاتية تقوم بين الفكرة والكلمة. في حين ساد عند أصحاب النظرية السيمية الذين ينحدرون من أرسطو، فكرة العلاقة العرفية بين الألفاظ والأشياء، وأنه ليس للأفكار من واقع محسوس إلا في الأذهان، ولا تنطبق الألفاظ في طبيعتها على الأشياء ولا على عناصر الأشياء وأسبابها، بل هي مجرد أسماء، وليست هذه الأسماء سوى مصطلحات اتفق عليها الناس [2] . فقد ظلت النزعة الأرسطالية حية ترزق في القرن السابع عشر، وما تزال مشكلة معرفة العلاقة التي تربط بين اللغة والتفكير قائمة، وظل الفلاسفة من أمثال باكون وديكارت وهوبز وسبينوزا ولوك ولايبنز يعدون اللغة من وسائل التعبير الفكري [3] . وقد رجح المعاصرون رأي أرسطو بالعلاقة العرفية بين الألفاظ والأشياء منذ دوسوسير.

وتعدّ النظرية التي افترضت طبيعة ألوهية نشأة اللغات من أكثر النظريات شيوعًا وانتشارًا وطغيانًا، ولاسيما في العصر الوسيط، ويمكن القول بأن سيادة الأيديولوجية الدينية، على مختلف تلاوينها، جعلت الفكر النظري أسيرًا لهاجس البحث عن الطرق الكفيلة بإظهار توافق مفترض بين حقائق الإيمان ومبادئ العقل [4] .

فعلى الصعيد العربي أُثر عن علماء العربية تصورات عامة عن"اللغة"نشأتها وحياتها، وعن الصلة بين اللفظ ودلالته، وعن القياس اللغوي، إذ اشتدّ في العصور الوسطى الجدال بين نظريتين شغلتا المفكرين في نشأة اللغة: نظرية ترى أن الله عز وجل هو الذي أوحى إلى البشر باللغة، ونظرية تذهب إلى أن اللغة من اصطلاح الناس وتواضعهم [5] . وممن اهتم بها على وجه الخصوص أبو علي الفارسي، وابن جني، ونجد نقولًا عن غيرهما في الكتب الملخصة للآراء المختلفة كالمزهر للسيوطي.

وكان للمعتزلة موقف تجاه قضية مناسبة اللفظ للمعنى، فعلماء المعتزلة مختلفون في علاقة اللفظ علاقة ذاتية بالمعنى الموضوع له ذلك اللفظ، وهو قول عباد بن سليمان [6] ، فقد نقل أهل أصول الفقه عنه أنه ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة [7] ، فالمسألة اللغوية البسيطة لا تخلو من ارتباطات بالإلهيات فما دونها، شأن كل

(1) - عبد العزيز، محمد حسن. مدخل إلى علم اللغة، ص 252 - 253.

(2) - مونان، جورج. تاريخ علم اللغة، ص 115 - 116.

(3) - مونان، جورج. المرجع نفسه، ص 137.

(4) - ينظر: هرملاني، عماد العلم والأيدولوجيا (دراسة في إشكاليات منهج البحث العلمي) ، منشورات دار معد، دمشق، 1995، ص 77، وما يليها.

(5) - السعران، محمود. علم اللغة، ص 52.

(6) - الكعبي، المنجي. العربية ومشكل الوضع والاصطلاح، ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية، الرباط، ج 2،ص 614.

(7) - السيوطي / جلال الدين. المزهر في علوم اللغة وأنواعها، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة،1969، 1/ 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت