فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 232

تفكير شمولي لا يرى الجزء منفصلًا عن الكل إلا نظرًا أو تقديرًا. وقد أنكر الجمهور هذا الرأي، معتمدين في أدلتهم على ظاهرة التضاد في اللغة، والترادف، واختلاف المصطلح الواحد تبعًا لاختلافات اللهجات واللغات، كما رفضها بعض المحدثين، مستدلين بأدلة أنه قد لا توجد رابطة لغوية معقولة بين اشتقاقات المادة الواحدة [1] . وذهبت المعتزلة إلى أن اللغات بأسرها تثبت اصطلاحًا وذهبت طائفة إلى أنها تثبت توقيفًا, مستعينين ببراهينهم وأدلتهم على آيات قرآنية [2] . قال ابن جني في الخصائص وكان هو وشيخه أبو علي الفارسي معتزليين في (باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح) هذا موضوع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي توقيف إلا أن أبا علي قال لي يومًا هي من عند الله واحتج بقوله تعالى (وعلّم آدم الأسماء كلها) [3] . وحين تحدث ابن جني عن أصل اللغة: إلهام هي أم اصطلاح ذكر أن هناك رأيًا يذهب إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعة، فكان ابن جني مضطربًا في اتخاذ موقف واضح محدد، وتقبل مذهب بعض العلماء، أن تكون اللغات كلها ناشئة، عن محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية، لدى الحيوانات والرياح والرعد والمياه، وتولدت متكاملة عن ذلك فيما بعد، ونتيجة لهذا وردت في اللغات ألفاظ كثيرة، تمثل المعاني التي تدل عليها، بأصواتها أو بنائها الصرفي، من حركات متلاحقة أو تقطع أو تكرار. [4]

وقد ظل بعض هذه الأفكار الفلسفية في نشأة اللغات يتردد في العصر الحديث، ولكن ضمن مناهج ونظريات لغوية حديثة، إذ برز عند بعض اللغويين العرب المحدثين ترجيح فكرة أن اللغة الإنسانية نشأت من محاكاة الإنسان للأصوات التي تصدر من الحيوانات والأشياء، وللأصوات التي تحدثها الأفعال عند وقوعها [5] . إذ برز هذا المنهج الفلسفي عند اللغويين العرب المحدثين الذين تبنوا المنهج التاريخي التطوري [6] ، من خلال مفهومهم للجذر في اللغة، وما ارتبط به من مباحث تتناول النشأة والنمو والتزيد، من خلال فكرتي الصوتية والصرفية، فرشحت فكرة المحاكاة للأصوات في الطبيعة أو الناجمة عن الإنسان إلى نظرية مؤداها أن الثلاثي نشأ عن الثنائي، وأن الثنائي نشأ عن الأحادي [7] .

وكان لهذه النظريات القديمة نتائج تطبيقية على صعيد إغناء المصادر المصطلحية.

(1) - ينظر: السيوطي، المصدر نفسه، 2/ 614.

(2) - السيوطي، المصدر نفسه، 1/ 13.

(3) - الخصائص. تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1/ 40

(4) - قباوة، فخر الدين. الاقتصاد اللغوي في صياغة المفرد، الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، القاهرة، 2001، ص 13.

(5) - ينظر: وافي، عبد الواحد. فقه اللغة، لجنة البيان العربي، ط 4، 1956 ص 177. وقدور، أحمد. المدخل إلى فقه اللغة العربية، منشورات جامعة حلب، 1991 ص 126.

(6) - من أبرز هؤلاء اللغويين الذين برزوا في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، الشدياق وجرجي زيدان وإبراهيم اليازجي وأحمد رضا والعلايلي وروفائيل نخلة، وأنستاس الكرملي

(7) - ينظر: قاسم، رياض. اتجاهات البحث اللغوي الحديث، مؤسسة نوفل، ج 1، ج 2، بيروت، 1982، 2/ 481.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت