فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 232

فكان لهذه الفرضيات الميتافيزيقية لأصل اللغات، التي ردت أصل اللغات إلى محاكاتها لأصوات الطبيعة من حيوان أو إنسان أو غيرهما، أو في العلاقة بين الصوت والمدلول، وأثرها في تنمية الحركة المصطلحية، من خلال ابتكار منهج لتوليد المصطلحات هو التوليد الصوتي، الذي يقوم على استغلال جرس الصوت ومحاكاته، أو تقليد صوت لصوت آخر، Onomatopoeia.

ونلمس أثر هذه النظرية عند العرب، حين تحدث ابن جني عن أصل اللغة إلهام هي أم اصطلاح، ذكر أن هناك رأيًا يذهب إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعة، ويقول في هذا الصدد"وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار، ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد [1] . كما فعل ذلك في مواضع كثيرة مبثوثة في كتابه هذا، وأهمها بابان هما"تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني"، و"إمساس الألفاظ أشباه المعاني"وقد تحدث ابن جني في باب"إمساس الألفاظ أشباه المعاني"عن مناسبة الألفاظ للمعاني، قال هذا موضع شريف نبه عليه الخليل وسيبويه وتلقته الجماعة بالقبول قال الخليل كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا صر، وفي صوت البازي تقطيعًا فقالوا صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان أنها تأتي للاضطراب والحركة نحو الغليان والغثيان. وهذا النمط من المصادر الرباعية المضعّفة تأتي للتكرير والزعزعة نحو القلقلة والصلصلة والقعقعة والقرقرة [2] ."

وأطلق عدد من المصطلحات تأثرًا بنظرية محاكاة الأصوات، كإطلاق قهقهة (للضحك) ، وتُم (للدلالة على النقرة الموسيقية) ، وقبقاب (لنوع من الأحذية) ، وفي الطب (اختبار الرنين) للدلالة على اختبار التوصيل العظمي بشوكة رنانة. والحق أن تقليد الأصوات ومحاكاتها هو المصدر الضخم لابتكار الكلمات، إلا أنها طريقة من الصعب أن تسدّ النقص الذي لا يكف عن الظهور في الكلام الإنساني دائمًا وأبدًا، ومجال هذه المصادر مجال ضيق [3] .

كما شاعت التطبيقات المتأثرة بالنظريات الفلسفية المنطقية التي تفرض معايير خاصة في توليد اللغة، من خلال ربط اللغة بالمنطق، وبرز هذا الاتجاه مع أرسطو، الذي رأى أن اللغة يجب أن تعمل وفق القواعد المتفق عليها، وبرز أيضًا في القرن الأول الميلادي عندما دار نقاش بين أتباع"القياسيين"وخصومهم من أنصار العرف والاستعمال، وتمثل مدرسة Pergame هذه النزعة الأخيرة التي تأثرت بالاستثناءات المختلفة التي تشاهد في جميع أجزاء اللغة، فأكدت أن اللغة لا تخضع لقواعد ثابتة حقيقية، ولا يسودها سوى الاستعمال، أما خصومهم - مثل الإسكندرانيين- فقد لفت انتباههم المظهر العضوي المنظم وانسجام المقولات، فرأوا بنيانًا مؤسسًا على قواعد ثابتة، فراحوا يرجعون كل شيء إلى هذه القواعد [4] .

(1) - الخصائص. 1/ 46 - 47. والسيوطي، المصدر السابق، 1/ 9.

(2) - الخصائص 2/ 153، 168. والسيوطي، المصدر السابق، 1/ 32.

(3) - أولمان ستيفن. دور الكلمة، تر: كمال بشر، مكتبة الشباب، القاهرة،1962 ص 136.

(4) - ينظر: مونان، جورج. تاريخ علم اللغة (منذ نشأتها حتى القرن العشرين) ، ص 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت