فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 232

وقد كان لهذه النظريات الفلسفية والمنطقية أثرها البالغ عند العرب، إذ يعدّ المنطق في بداية العصر العباسي وما بعده من العصور فيصلًا في المناقشات الدينية وغير الدينية [1] ، ولا سيما ما يخصّ المسائل اللغوية، التي كانت أكثر ارتباطًا بالمسائل الدينية، فتميزت عمليات التدوين جمعًا ونقلًا بتزايد التشدد في صفائية اللغة من حيث الفصاحة والصحة والنقاء، فاعتمد الجامعون أساسين هما الزمان والمكان [2] ، وهو ما عرف بعصر الاحتجاج. فمن حيث الزمان يبدأ الاحتجاج من عهد الجاهلية القريب من الإسلام بنحو قرنين من الزمان، حتى منتصف القرن الثاني الهجري تقريبًا عند الحضر وسكان أطراف الجزيرة، في حين يمتد الاحتجاج إلى القرن الرابع الهجري بالنسبة إلى البدو ولاسيما في قبائل وسط الجزيرة العربية. وقد حصرها اللغويون القدماء بقبائل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض بطون قبيلة كنانة وبعض بطون طيء. وتجنبوا أخذ اللغة عن الحضر أي عن العرب المستقرين، وعن القبائل العربية التي عاشت بالقرب من قبيلة لخم، وقبيلة جذام وقضاعة وغسان وإياد و تغلب والنمر وبكر وأزد وعمان [3] . وحين يتتبع الدارس قواعد الاحتجاج التي نصّ عليها اللغويون يجد أن المعيار الذي اعتمد أساسًا لتوجيه منهجهم يكاد يقتصر على مسألة اختلاط العرب بالأعاجم وأثره في السليقة اللغوية [4] .

وتتمثل مصادر اللغة التي اعتمدوها في الاحتجاج في ثلاثة مصادر رئيسية هي: القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب. ففيما يخص القرآن الكريم، جرى عرف العلماء على الاحتجاج برواياته سواء أكانت متواترة أم قراءات أحاد أم شاذة، فالقراءة الشاذة التي منع القراء قراءتها في التلاوة يحتج بها في اللغة والنحو [5] . أما الحديث الشريف فلم يقبل الاحتجاج به معظم اللغويين والنحاة، لعدم وثوقهم أنه لفظ الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أن نقلة الحديث جوّزوا النقل بالمعنى [6] ، إلى جانب أن بعض رواة الأحاديث كانوا من المولدين الذين عاشوا بعد عصر الاحتجاج. أما ما يخصّ الاحتجاج بكلام العرب، فقد سبق الإشارة إلى القبائل العربية التي يحتج بها، مكانيًا وزمانيًا.

فمقابل هذا الاتجاه المحافظ الذي وقف عند ما دوّن بالسماع من عرب الجاهلية وصدر الإسلام، وقد مثله جمهرة اللغويين، وفي مقدمتهم الأصمعي وابن فارس [7] . هناك اتجاه آخر لم يكتف بالسماع فحسب في مصادرهم، بل مزج بين السماع والقياس، فقد ظهر هذا المزج في منتصف القرن الثاني الهجري عند الفراهيدي في"العين"وعند سيبويه في"الكتاب" [8] .

(1) - تمام، حسان. اللغة العربية معناها مبناها، ص 224 - 225. وحسان، تمام. اللغة العربية بين المعيارية والوصفية،، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، 1980، ص 26 - 27.

(2) حجازي، محمود فهمي. علم اللغة العربية، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، 1955 ص 224 - 225. وحسان، اللغة العربية بين المعيارية والوصفية، ص 26 - 27.

(3) - ينظر: السيوطي، الاقتراح في علم أصول النحو، تحقيق أحمد محمد قاسم، مطبعة السعادة، القاهرة، 1976، ص 56 - 57.

(4) - قدور، أحمد. المدخل إلى فقه اللغة العربية، ص 72 - 73.

(5) - والسيوطي. الاقتراح في علم أصول النحو، ص 48.و الأفغاني، سعيد. في أصول النحو. ص 29

(6) - السيوطي. المصدر نفسه، ص 52 - 53

(7) - ياسين، مالك. كتب المصطلحات العلمية العربية إلى عصر النهضة الحديثة، جامعة حلب، 1998، ص 81.

(8) - طليمات، غازي. في علم اللغة. ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت