فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 232

ويتفق النحاة القدماء على أن القياس إنما يكون على الكثير أو الغالب المنقول عن العرب المعتد بلغتهم، وإن لم يبينوا - على وجه الدقة- ماذا يقصدون بالكثرة، وهم مختلفون أشد الاختلاف فيما يخالف المطرد أو الكثير وهو الذي سموه شاذًا أو قليلًا [1] .

كما أن القياس في نشأة النحو لم يكن له من الشأن ما كان له في عهد الصراع العلمي بين مدرستي البصرة والكوفة، حين اختلف في أمره، واقتصر البصريون على جواز القياس على المشهور الشائع، وأبوا القياس على القليل النادر، في حين أجاز الكوفيون القياس على الشاهد الواحد أو الشاهدين، أي توسعوا في القياس، وأباحوا النسج على القليل النادر. ولم يكد ينتصف القرن الرابع الهجري حتى نادى أمثال أبي علي الفارسي (ت 337 هـ) وتلميذه ابن جني (ت 392 هـ) ، إلى ذلك الرأي المشهور:"ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب" [2] ، ويضم هذا الفريق أيضًا أبا عثمان المازني والزمخشري والشهاب الخفاجي.

وعلى صعيد التطبيقات المعجمية تراوحت اللغة التي أخذتها المعاجم آنذاك بين الإحصاء لكل مواد اللغة العربية، وبين الاختيار منها، اختيار الفصيح وإهمال الغريب والوحشي والمبتذل. والمعجمات العربية التي جاءت بعد ذلك توحي بأن الخليل وابن دريد قد ضمنا معجميهما كثيرًا من الألفاظ الغريبة، مما يعدّ من غير الصحيح الشائع بين العرب، والدليل على ذلك ما جاء بعدهما من معاجم اتخذت أسماء توحي بالحرص على تنقية اللغة من الغريب والحوشي، مثل تهذيب اللغة للأزهري والصحاح للجوهري [3] . وقد ظلّ معيار لغة العرب سائداّ بين سائر المعجمات العربية، ومع أنه ليس جميع المعجميين القدامى قد شافهوا الأعراب، غير إنهم جميعًا قد التزموا مع ذلك بالقاعدة العامة، فلم يدونوا في معجماتهم إلا ما ثبت أنه ورد في كتاب قديم شافه صاحبه الأعراب وباشرهم. ولم يحتضنوا من الألفاظ الجديدة إلا القدر اليسير جدًا مع الإشارة إليها بأنها محدثة أو مولدة أو معربة، على سبيل التنبيه وربما التحذير. وكأن ذلك وصمة لهذه الكلمات، كما في معجمات الجوهري والأزهري وغيرهما [4] .

وقد استمرت مسألة القياس في اللغة العربية موضع الجدل والخصومة بين اللغويين، حتى وقتنا الحالي، فانقسم اللغويون إلى مجددين ومحافظين. إذ وجدت العربية نفسها أمام حضارة أخرى ذات ألوان مختلفة لم تنبت في أرضها أو بيئتها بحيث تخرج وعليها سمة هذه اللغة، فقد عجزت المادة المعجمية أو الثروة اللفظية عن التصدي لها بمفردات عربية تعبر عن هذه العلوم والفنون الحديثة [5] . فاستاء العديد من اللغويين لما آلت إليه

(1) - عبد العزيز، محمد حسن. القياس في اللغة العربية، دار الفكر العربي، القاهرة،1995 ص 11.

(2) - أنيس، إبراهيم. أسرار اللغة العربية، مطبعة البيان العربي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط 2،1958، ص 18 - 19.

(3) - أبو الفرج، أحمد محمد. المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث، دار النهضة العربية، الإسكندرية، ط 2، 1966، ص 30، وما يليها.

(4) - ينظر: الود غيري، عبد العلي. قضايا المعجم العرب، ص 158. وياسين، مالك. كتب المصطلحات العلمية، ص 85 - 86.

(5) - خليل، حلمي. علم المعاجم عند أحمد فارس الشدياق، ندوة"في المعجمية العربية المعاصرة"، دار الغرب الإسلامي، تونس، 1987، ص 221

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت