أوضاع اللغة من جمود وانحباس في الأبنية الصرفية، وقصور في دلالة اللفظ المعجمي، ونقص فادح بالألفاظ العلمية والفنية والتجارية [1] .
فظهرت اتجاهات فكرية ارتبطت بمناهج لغوية حديثة، عبرت عن مواقف حضارية انبثقت تاريخيًا من علاقة الشرق بالغرب. فريق يرى لا قبل للعربية في استيعاب الجديد وتهيئة المصطلح الدقيق الذي كان من الكثرة وأصبح لا مفر من أن نأخذه كما هو في الإنكليزية في أقطار المشرق العربي، أو الفرنسية في أقطار المغرب العربي، ورائد هذا الاتجاه رفاعة الطهطاوي، ويمثل هذا الاتجاه أصحاب الاختصاصات العلمية، وحجة هذا الفريق أن العربية لا يمكن أن تفي بهذه المتطلبات الكثيرة، وأنها غير قادرة على النهوض بهذا العبء، وأن الجديد من المصطلح العلمي كثير جدًا. وفريق يؤمن بأن العربية قادرة على الوفاء بالمتطلبات الحديثة، وما جاءت به الحضارة المعاصرة من الجديد، وأن من العلم أن نخلص لهذه اللغة فنوفر الجديد بالكلم العربي أصواتًا وأبنية، وألا نتساهل بأخذ الدخيل [2] . وقد انحصر نشاط هذه الجماعة في دائرة التنميط أو التقييس على شاكلة معايير القدامى اللغوية من حقيقة ومجاز واستعارة وترادف وتضمين واشتراك وفصيح وحوشي ومعرب ودخيل ومستعمل ومهجور، وهي مرحلة سعى اللغويون عبرها إلى امتلاك دلالات المصطلح الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية [3] . ويمثل هذا الفريق بعض المعجميين كالشدياق والبستاني ودوزي وأعضاء المجامع والمعنيون بالتراث القديم.
وقد حظي القياس في العصر الحديث بمكان بارز بين دروس العربية وهموم اللغويين، فصار من أهم وسائل تنمية ثروة العربية، وصار المعاصرون يرون في الاشتقاق القياسي أساسًا توليديًا ينبغي اعتبارها نتيجة لحركة الإحياء اللغوي التي عاصرت نهضة العرب في العصر الحديث. وأن القياس ليس عملية تقعيد، بل هو نشاط لغوي يمارسه الفرد بابتداعه صيغة جديدة وفق صيغة أخرى باطراد، وهو عملية قائمة على أساس المشابهة بين المقيس والمقيس عليه في الشكل أو في المعنى أو فيهما معًا، وليس شرطًا في هذه العملية أن تكون الصيغة القديمة مثالية أو معيارية بل يكتفى بأن تكون مجرد صيغة مستقرة في الاستعمال. وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة حريصًا في قراراته على نوع من التوازن الرهيف بين دواعي المحافظة المتمثلة في الالتزام بالقواعد أو الضوابط المنصوص عليها في كتب اللغة، ودواعي التجديد التي قد تتطلب نوعًا من التغيير في بعض القواعد أو الضوابط، وقد قيد المجمع ذلك بقيود منها الضرورة وموافقة الذوق العربي، وللمجمع موقف متميز من الاستشهاد، إذ اعتدّ بكل استعمال ورد فيه فصيحًا، وإن خالف قواعد النحاة، واعتدّ ببعض القراءات القرآنية المتواترة وقاس عليها، بل واحتجّ أحيانًا ببعض القراءات الشاذة. وقد وضع أسسًا واضحة للاستشهاد بالحديث الشريف، واعتمد عليها في كثير من قراراته، وسوغ بها كثيرًا من الألفاظ والأساليب المحدثة، وهو حين
(1) - قاسم، رياض. اتجاهات البحث اللغوي في العالم العربي، مؤسسة نوفل، بيروت، 1982،ج 1، ص 157.
(2) - ينظر: السامرائي، إبراهيم. في شعاب العربية، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1990، ص 326 - 327.
(3) - الإدريسي، فرحات. منزلة الحركة المعجمية في القرن التاسع عشر، في ندوة"في المعجمية العربية المعاصرة"ص 251 - 252.