يستشهد في النحو واللغة لا يعتمد مصدرًا واحدًا بل يجتهد في تعدد المصادر فيستشهد أحيانًا بالقرآن والحديث والشعر قديمه وحديثه [1] .
فجاءت هذه المواقف المنفتحة والمتحررة في العصر الحديث، تأثرًا بالنظريات اللغوية التي ظهرت في هذا العصر، من تاريخية ومقارنة وتقابلية واجتماعية ووصفية وغيرها، والتي جاءت متأثرة ببعض النظريات العلمية التي شاعت في العصر الحديث، وأسهمت في إغناء المصادر المصطلحية، ومن هنا سيعرض البحث أبرز هذه النظريات العلمية والفكرية وعرض تأثيراتها في المناهج اللغوية والمصطلحية نظريًا ومن ثم تطبيقيًا.
ثم انحسرت الصبغة الدينية ذات الطابع الجدلي الفلسفي التي كانت تطغى على المناهج المصطلحية القديمة، لتحلَ محلها مناهج مصطلحية ذات صبغة علمية، تأثرًا بالظروف الحضارية المستجدة، وبالنظريات العلمية التي أثرت في العلوم المختلفة بما فيها علوم اللغة. يذكر في هذا المجال، الفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561 - 1626) ، الذي سخر من فلاسفة العصور القديمة والوسطى لأنهم كانوا يتصورون أن باستطاعتهم حلّ مشكلات العالم الكبرى بالتأمل النظري وحده، عبر مجموعة من الاستدلالات اللفظية التي تلاعبوا بها ببراعة، ودعا بالمقابل إلى استخدام الحواس والعقل في ملاحظة الوقائع وتسجيلها [2] .
لقد ظلت الإشكالية التي تدور حول موضوعية المصطلح أو معياريته مثارة في العصر الحديث، ولكن من منظار يختلف عن منظور القدماء، يقوم على نظريات علمية سائدة، فانقسمت الآراء إلى فريقين، فريق يرى أن صياغة القوانين هي من قبيل القوانين الطبيعية، وآخر يرى أن المعيارية لها وزنها في صياغة القوانين. وقد تأثر الفريق الأول بما ساد في أوروبا من اتجاه عام نحو تبني المنهج الوضعي في تناول الظاهرة العلمية بمنظار الأساس المعرفي النيوتوني الذي يقتضي الموضوعية والحياد والتجربة وسلطان العقل في إدراك كل شيء في الكون وإقصاء الإحساس والشعور، وكانت البداية مع المدرسة الطبيعية التي كانت تعتقد أن المجتمعات الإنسانية تحكمها علاقات ثابتة ومضطردة كشأن الظواهر الطبيعية، وإن التزام الموضوعية هو السبيل إلى اكتشاف القوانين كما هي لا كما ينبغي أن تكون، ويكون الباحث حياديًا. وقد تأثرت المدرسة الكلاسيكية بهذا الاتجاه وسارت على طريق المدرسة الطبيعية وصاغت فلسفتها. ويفترض الاتجاه الموضوعي الوصفي في المصطلح القدرة على التعبير عن الحقيقة العلمية تعبيرًا دقيقًا صافيًا من أي شائبة غريبة عن الواقع. أما المعيارية فترى أن المصطلح محمّل بالأحكام القيمية والأفكار المسبقة والأغراض الباطنة والقناعات الاعتقادية والميول الاجتماعية والثقافية والاعتبارات الذاتية وقصور الإدراك، مما ينفي حياد البحث، ويكون المصطلح معبرًا عن الظاهرة العلمية كما يتصورها الدارس. وتقوم المعيارية على الأساس المعرفي الذي تنطلق منه المناهج العلمية الحديثة ولاسيما في الفيزياء، النظرية النسبية (1905 - 1915) والنظرية الكوانطيكية (1925) . ومؤدى
(1) - ينظر: عبد العزيز، محمد حسن. القياس في اللغة العربية، ص 10، وما يليها.
(2) - ياقوت. منهج البحث اللغوي، ص 86 - 87