فهذه الثنائية موجودة في البنية اللغوية السريانية. هذا فيما يتعلق باللغة الوسيطة، ثمة ملاحظة أخرى تخصّ المصادر التي تمت الترجمات العربية عنها، فنقل مترجمو المشرق التراث الأوروبي القديم من اليونانية مباشرة أو عن طريق السريانية، وأصبحت طريقتهم غالبة على غيرها في الكتب العربية، فقد نقل المترجمون في المغرب - وهم قلة- عن الأصول اللاتينية، فكان تعريبهم مغايرًا لمترجمي المشرق. وفي العصر الحديث عندما حدث الاتصال الحضاري بين العالم العربي وأوربا الحديثة بدأت تُعرف مصطلحات أوروبية في قوالب مختلفة من إنكليزية وفرنسية وإيطالية وغيرها، مع أن هذه المصطلحات ترجع إلى أصول لاتينية أو يونانية [1] .
فهذه العوامل من تنوع اللغات الوسيطة وتعدد اللغات المرسلة أو المصدِّرة، أدت إلى عدم اطراد نقل الأصوات بين العربية وتلك اللغات، بسبب تغير نطقها من لغة إلى أخرى. إذ إن هناك مشكلات صوتية تتعلق باللغات المرسلة والمصدرة، وثمة من ردّ هذه المشكلات الصوتية إلى تطورات تاريخية في تلك اللغات، إذ لا يوجد بين اللغات اللاتينية فرق بين أحرف المدّ وغيرها سواء أكان من جهة تبدلها وعدم استقرارها أم من جهة دلالتها ووظيفتها في تركيب الكلمة وليس في مفردات هذه اللغات عدد من الحروف الثابتة فقد تتغير كلها أو أكثرها في تصاريف الكلمة ومشتقاتها أو تحذف، وقد تتغير أصواتها على مر السنين والأعوام، وقد يقع هذا التغير في بعض مفردات المادة من دون بعضها الآخر فتنفك الصلة بينها، فالشين في كلمة (Cheval) (حصان) كانت كافًا في الأصل، وانقلبت إلى شين في بعض الألفاظ وبقيت كافًا في بعض مشتقات الكلمة مثل (Cavalier) (فارس) . كما أن الحروف الصائتة في اللغات اللاتينية ليست ثابتة ولا فرق في ذلك بين حروف أصلية وزائدة، فكلها معرضة عند تطورها أو في تصرفها إلى الحذف والتبديل [2] . وقد تطورت الأصوات مستقلة عن المعنى الذي تعبر عنه ولو أضر التطور بذلك المعنى، وكثيرًا ما يحدث أن تختفي العناصر الصوتية التي تكون جزءًا عضويًا من الصيغة النحوية وتتغير تغيرًا يجعل تلك الصيغة غير مفهومة [3] . كما أن ظاهرة الأحرف الزائدة في بعض الكلمات الأوروبية، من صوائت وصوامت، التي تكتب ولا تلفظ، قد ترجع إلى أن الكلمة كانت تنطق من قبل بطريقة تبرز هذا الهجاء، ثم تطور هجاؤها، أو إلى عدم نشأة نظام كتابي متكامل من أول الأمر [4] . كما يمكن ردّ أسباب عدم توحيد الإبدالات الصوتية، إلى تاريخ اللغات الأوروبية، إذ حدث تغير صوتي بين اللاتينية واللغات الرومانية المختلفة، وتغير نطق أصوات كثيرة لاتينية عندما دخلت اللغات الأوروبية الحديثة كالإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها [5] .
وعند تطبيق المنهج التاريخي من خلال تمثيل نطق المصطلحات الأوروبية تبعًا لأصل هذه المصطلحات، من لاتينية أو يونانية، فإن هذا المنهج سيواجه مشكلات، من ذلك أن هناك أحرفًا تنطق ولا تلفظ،
(1) - ينظر: حجازي، محمود. الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص 173.
(2) - المبارك، محمد. خصائص العربية، ص 22 - 23.
(3) - ماييه. منهج ابحث في الأدب واللغة، تر: محمد مندور. ص 104.
(4) - ينظر: أيوب، عبد الرحمن. العربية ولهجاتها، ص 6، وما يليها.
(5) - ينظر: حجازي، محمود. الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص 174.