فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 581

فَجَعَلَ اللهُ الدُّنيا لها نهايةً؛ فَعُمْرُهَا محدودٌ؛ فلا يبقى شَيْءٌ في الدُّنيا إلاَّ فَنِيَ وَخَرِبَ؛ لأنَّها دَارُ اخْتِبَارٍ، وَجَعَلَ المخلوقات يَخْلُفُ بعضُها بعضًا، حتَّى يَرِثَ اللهُ الأرضَ وما عليها.

فاللهُ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ وما بينهما في سِتَّةِ أيَّامٍ، فجعل للدُّنيا بدايةً، وجعل لهما نهايةً، وسيأتي على الدُّنيا يومُ الفناء الشَّامل، فَأَخْبَرَ - سبحانه- أنَّجَمِيعَ أَهْلِ الأرض سيموتون ويذهبون، وكذلك أهلُ سماواته إلاَّ من شاء اللهُ مِنْ خَلْقِهِ.

ولذلك لمَّا أنزل اللهُ: {كلُّ من عليها فانٍ} قالت الملائكةُ: «هَلَكَ أَهْلُ الأرض، ونحن في السَّماء لَسْنَا في الأرض» . فطمعوا في البقاء، فأنزل اللهُ: {كلُّ شَيْءٍ هَاِلكٌ إِلَّا وَجْهَه} .

فأخبر- سبحانه - عن أهل السَّماوات والأرض أنَّكم تموتون كما يموت الآدميُّون، فعند ذلك أَيْقَنُوا بالموت.

قوله: {وَيَبْقَاوَجْهُرَبِّكَذُوالْجَلَالِوَالْإِكْرَامِ} .

هذه الآية فيها بيانٌ لصفات الله الَّتي هي صفاتُ كمالٍ وجلالٍ وجمالٍ.

البقاءُ الدَّائمُ لله وَحْدَهُ؛ فهو الحيُّ الَّذي لا يموت، والخلائقُ مكتوبٌ عليهم الفناءُ والموتُ.

فأهلُ أرضه وأهلُ سماواته كلُّهم سيموتون إلاَّ مَنِ استثنى اللهُ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا أرواحُ الشُّهَدَاءِ، ولا يبقى أَحَدٌ سِوَى الرَّبِّ الكريم.

وفيها إِخْبَارٌ عن فناء الذَّوات، إلاَّ ذاته -عزَّ وجلَّ - فهو الدَّائمُ الباقي.

وهذا دليلٌ على توحُّده بالبقاء؛ فهو الأوَّلُ والآخرُ.

فالبقاءُ لله وَحْدَهُ، وبقاءُه- سبحانه - نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لإكرام المُحْسِنِ ومحاسبة المُسِيءِ.

قوله: {وَيَبْقَاوَجْهُرَبِّكَ} .

أي: ذاتُ رَبِّكَ.

فيها إثباتُ صفة الوجه لله، وهي من الصِّفات الذَّاتيَّة؛ فله -سبحانه - وَجْهٌ يَلِيقُ بِجَلالِهِ وعظمته، وعبَّر بالجزء هنا، وأراد الكلَّ؛ فالمرادُ بالوجه الذَّاتُ؛ أي: ذاتَه المقدَّسةَ.

ما تضمَّنته هذه الآيةُ الكريمةُ فَنَاءِ كلِّ مَنْ على الأرض وبقاءِ وَجْهِهِ - جلَّ وعلا - المتَّصف بالجلال والإكرام.

قوله: {ذُوالْجَلَالِوَالْإِكْرَامِ} .

نَعَتَ اللهُ وجهَه الكريمَ في هذه الآية، وَوَصَفَ وجهَه بالجلال والإكرام.

والجلال أي: ذو العَظَمَةِ الَّتي لا يعادلها شيءٌ؛ فهو أَهْلٌ أن يجلَّ فلا يُعْصَى، وأن يُطَاعَ فلا يخالَف.

والإكرامُ أي: الكريمَ الَّذي لا أكرمَ منه؛ فهو يُكْرِمُ عِبَادَهُ بالنِّعَمِ والعطايا.

فهو المستحقُّ للإكرام، والمستحقُّ للإجلال.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام أي: ذُو الْعَظَمَة وَالْكِبْرِيَاء والفَضْلِ والجُودِ.

قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .

أي: لا أَحَدَ يكذِّب بهذه النِّعم مِنْ نِعَمِ الله العظيمة أَنْجَعَلَ للدُّنيا حدًّا، وأنَّ الله باقٍ وَدَائِمٌ لا يموت والخلائق تَمُوتُ؟ وَنَعَتَ وَجْهَهُ الكريمَ وَوَصَفَهُ بالجلال؛ لأنَّه سيحاسب المسيءَ. والإكرام لأنَّه سيكرم المحسن.

قوله: {يَسْأَلُهُمَنْفِيالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِكُلَّيَوْمٍهُوَفِيشَأْنٍ} .

لمَّا ذكر ضَعْفَ الخَلْقِ وَقَهْرَهُمْ بالموت، ذَكَرَ بَعْدَهَا أنَّالخَلْقَ مفتقرون إليه.

وفيها إِخْبَارٌ عن غِنَاهُ المُطْلَقِ - سبحانه - وأنَّه هو الغنيُّ الحَمِيدُ، وأنَّ جَمِيعَ الخلائق مفتقرةٌ إليه، ويسألونه بلسان حالهم ومقالهم؛ فلا غِنَى لأحدٍ منهم عنه طَرْفَةَ عَيْنٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت