فهرس الكتاب
سؤال الرَّبِّ مِنْ أَعْظَمِ العبادات، وسؤالُه مَحْبُوبٌ إليه.
وإجابةُ السُّؤَالِ مِنْ آَثَارِ الرُّبوبيَّة؛ فيسألونه والرَّبُّ يُجِيبُهُم جميعًا، والسُّؤالُ ليس مِنْ آَثَارِ الألوهيَّة؛ فإبليسُ لمَّا عصى سَأَلَ ربَّه، فأجابه، والكافرُ قد يسأل فيجاب، ويعطى الرِّزقَ والصِّحَّةَ.
قوله: {كل يوم} أي: كل وقت.
قوله: {هو في شأن} .
فيها بَيَانٌ لتنوُّع أفعال الرَّبِّ في تدبير الكون؛ أي: من شئون خَلْقِهِ المتنوِّعة والمتعدِّدة والمتكرِّرة؛ من عَطَاءٍ، وَرِزْقٍ، وَمَغْفِرَةٍ، وَمَنْعٍ، وحرمانٍ، وَنَفْعٍ، وَضُرٍّ؛ فهو يَخْلُقُ، وَيَرْزُقُ، وَيُحْيي، ويُمِيتُ، ويُعْطِي، ويمنع، ويجيب دعاءَ الدَّاعين؛ فيغني فقيرًا، وَيَجْبُرُ كَسِيرًا، ويعطي قومًا، وَيَمْنَعُ آَخَرِينَ، ويخفض، وَيَرْفَعُ.
ويسأله من في السَّماوات، ويسأله من في الأرض، كلُّهم يسألونه، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلاَّ الله؛ يسمعهم كلَّهم فيآَنٍوَاحِدٍ. وهذا دَلِيلٌ على عظمته، وقدرته، ووجوده.
وهذا مِنْ نِعَمِ الله علينا أَنْجَعَلَ قَضَاءَ حَوَائِجِ العباد بِيَدِهِ؛ فكلُّ الحوائج تُطْلَبُ منه؛ لأنَّه الغنيُّ الكَرِيمُ والقريبُ المُجِيبُ، وكلُّ جُودٍ في النَّاس فهو مِنْ جُودِهِ، وكلُّ كَرَمٍ في النَّاس فهو مِنْ كَرَمِهِ.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
أي: لا أَحَدَ يُنْكِرُ نِعَمَ الله، أو ينكرها، أو يَجْحَدُهَا؟
ومن أعظم نِعَمِهِ علينا أَنْجَعَلَ قَضَاءَ حوائجنا بِيَدِهِ؛ فكلُّ الحوائج تُطْلَبُ منه.
قوله: {سَنَفْرُغُلَكُمْأَيُّهَاالثَّقَلَانِ} .
«سَنَفْرَغُ» كَلِمَةُ تهديدٍ من الله، وإلاَّ فإنَّ اللهَ لا يشغله شَأْنٌ عن شَأْنٍ؛ فلو شاء اللهُ أن يعذِّبهم فلا يعجزونه؛ لِكَمَالِقيُّوميَّته وَقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وإحاطته.
أي: سنحاسبكم، ونجازيكم على أعمالكم؛ فَبَعْدَ قَضَاءِ حوائجهم ولم يَبْقَ مِنْ شُئونِ خَلْقِهِ خَلْقٌ ولا رِزْقٌ ولا إِحْيَاءٌ ولا إِمَاتَةٌ؛ لم يَبْقَ سِوَى المحاسبة.
فَذَكَرَ اللهُ بَعْضَ أهوال القيامة، وهذا مِنْ نِعَمِ اللهِ؛ أنَّه جعل هناك دَارَ جزاءٍ وحسابٍ وعدلٍ؛ ليجزي الَّذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الَّذين أحسنوا بالحسنى.
قوله: {الثقلان} .
هما الجنُّ والإنسُ؛ لأَمْرَيْنِ:
-الأوَّل: حَدِيثُ «فَيَضْرِبَهُ ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ إلاَّ الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرَ تُرَابًا» . رواه أحمد و أبو داوود
قال: «ثمَّ تُعَادُ فيه الرُّوحُ» .
أخرجه النَّسائيُّ وابنُ مَاجَةَ مختصرًا، وخرَّجه الإمامُ أحمد بسياقٍ مطوَّلٍ، والحاكمُ، وقال: «على شرط الشَّيْخَيْنِ» .
وفي رِوَايَةٍ للإمام أحمد: «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ أَصَمَّ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا، فَيْضَرِبَهُ ضَرْبَةً، فَيَصِيرَ تُرَابًا، ثمَّ يُعِيدُهُ اللهُ كَمَا كَانَ، فَيَضْرِبَهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَيَصِيحَ صَيْحَةً يسمعها كلُّ شَيْءٍ إلاَّ الثَّقَلَيْنِ» .
-الثَّاني: الثَّقَلُ الجَمْعُ العَظِيمُ الَّذي يَثْقُلُ مَعَهُ الشَّيْءُ. والإنسُ والجنُّ يُثْقِلُونَ الأرضَ فَوْقَهَا، وفي بَطْنِهَا.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
أي: لا أَحَدَ يُنْكِرُ نِعَمَهُ؟ ومن نِعَمِهِ أن جَعَلَ هناك دارَ جَزَاءٍ، وَدَارَ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ.
قوله: {يَامَعْشَرَالْجِنِّوَالْإِنْسِإِنِاسْتَطَعْتُمْأَنْتَنْفُذُوامِنْأَقْطَارِالسَّمَوَاتِوَالْأَرْضِفَانْفُذُوالَاتَنْفُذُونَإِلَّابِسُلْطَانٍ} .
تقديمُ الجنِّ على الإنس؛ لأنَّه أَقْدَرُ، ويستطيع اختراقَ السَّماء و الأرض.