فهرس الكتاب
هذه الآَيَةُ فيها قَوْلانِ:
-الأوَّلُ: أنَّه تَعْجِيزٌ، وتهديدٌ لكلِّ فَاسِقٍ وكافرٍ، وأنَّهم وَإِنْ تمرَّدوا على الله في الدُّنيا، وخالفوا أَمْرَهُ، فإنَّهم في الآخرةِ في قَبْضَةِ الله، ولن يُفْلِتُوا من الحساب والمجازاة.
وذلك أنَّاللهَ إذا جَمَعَ الخَلائِقَ يومَ القيامة في أرضِ المحشر، وأحاطت بهم الملائكةُ سَبْعَةَ صُفُوفٍ، فلا مَنْفَذَ لأحدٍ، ولا مَهْرَبَ.
ويؤيِّده أنَّالجنَّ يَصِلُونَ في استراق السَّمع إلى مكانٍ بَعِيدٍ، والسِّياقُ فيه وَعِيدٌ.
-القول الثَّاني وهو الأظهر والله أَعْلَمُ بمُرَادِهِ: أنَّه تَحَدٍّ وَتَعْجِيزٌ للثَّقلين؛ أنَّهم لا يستطيعون ذلك إلاَّ بِسُلْطَانٍ؛ أي: قُدْرَةٍ وَحُجَّةٍ وعِلْمٍ.
قوله: {فانفذوا} .
أي: اخترقوا.
قوله: {لا تنفذون} أي: لا تَنْفُذُونَ بقدراتكم الذَّاتيَّةِ النُّفوذِ؛ حَاصِلٌ نَوْعُهُ، لكنَّه ليس نُفُوذًا كَامِلًا، وإنَّ النَّفَاذَ ليس ممتنعًا، لكنَّه علَّقه بالسُّلطان.
قوله: {إلا بسلطان} .
قيل: في الدُّنيا. وهو الأَظْهَرُ؛ أنَّالسُّلْطَانَ هو القُدْرَةُ والحُجَّةُ والعِلْمُ، وهو مُشَاهَدٌ اليَوْمَ، وما توصَّل إليه العلمُ من تطوُّرٍ ووسائلَ حَدِيثَةٍ.
فقد وَصَلَ الإنسانُ إلى سَطْحِ القَمَرِ، وَوَصَلَ إلى أَمَاكِنَ لم يَصِلْهَا مِنْ قَبْلُ بواسطة العِلْمِ، وما أعطاهم اللهُ مِنَ القُدْرَةِ.
فعلى سَبِيلِ المِثَالِ حينما وَصَلَ الإنسانُ إلى سَطْحِ القَمَرِ، وَمِنْ أَجْلِ أن تتوفَّر الحَيَاةُ لِشَخْصَيْنِ على سطح القمر فالنَّفقاتُ الَّتي دُفِعَتْ مِنْ أَجْلِ هاتين الرِّحلتين فوق طاقة البشر.
القمر الَّذي وصلوا إليه وقالوا: غزونا الفضاء، قطعوا ثانيةً ضوئيَّةً واحدةً، وقد كَلَّفت المركبةُ الَّتي وصلت إلى القمر ثَمَانِيَةً وأربعين أَلْفَ مليونِ دولارٍ.
رجلان وصلا إلى القمر بألبسةٍ خاصَّة تقيهم انخفاضَ الضَّغط، وبأجهزةٍ هي قِمَّةُ العلم البشريِّ مِنْ أجل أن يَصِلَ اثنان إلى القمر لثانيةٍ ضوئيَّةٍ وَاحِدةٍ.
المركبةُ الفضائيَّةُ الَّتي وصلت إلى القمر هذه مصنوعةٌ في الأرض من موادَّ خَلَقَهَا الله، ومن حقائق كَشَفَها اللهُ للإنسان، ولولا أنَّالله خلق الموادَّ وكشف الحقائق، ما وصل الإنسانُ إلى القمر.
اللهُ الَّذي خَلَقَ العقلَ البشريَّ، وبهذا العقل صُنِعَت الطَّائراتُ الَّتي تحمل سِتَّ مِائَةٍ وخمسين راكبًا في الجوِّ، وغاص إلى أعماق البحار، وبنى البُيُوتَ، وصنع الأدوية، وأرسل الأقمارَ الصِّناعيَّةَ، ونقل الصُّورَ، وَغَاصَ إلى أعماق البحار، وبنى البيوتَ، وَصَنَعَ الأدوية.
وقيل: «في الآخرة بِسُلْطَانٍ» . أي: بِأَمْرِ الله.
وهذه مِنْ نِعَمِ الله على عِبَادِهِ؛ فَقَدْ بَعَثَ الرُّسُلَ، وأنزل الكُتُبَ، وأقام الحُجَّةَ عليهم، وَبَيَّنَ لهم مَصِيرَهُمْ يَوْمَ القيامة، كأنَّهم يشاهدونه، فلم يَبْقَ لهم حُجَّةٌ.
وهذا وإن كان الخِطَابُ في يوم القيامة لكنه يَشْمَلُ أيضًا الدُّنيا؛ فلن يَخْرُجَ أَحَدٌ عن أَمْرِ الله، وَحُكْمِهِ، وَقَهْرِهِ، ولن يستطيع الهَرَبَ.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
أي: لا أَحَدَ يُنْكِرُ نِعَمَهُ، وَمِنْ نِعَمِهِأنَّه لا حُجَّةَ لأَحَدٍ؛ فقد بَيَّنَ اللهُ لنا أنَّمَنْ عَصَاهُ فلن يُفْلِتَ منه يومَ القيامة؛ فكلٌّ سَيَلْقَى عَمَلَهُ، وإذا كان سيِّئًا، فلن يتخلَّص منه؛ فهو مُلازِمٌ له.
قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} .