فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 581

مِنْ نِعَمِ الله أنَّالأعمالَ لا تَذْهَبُ سُدًى، وَمِنْ نِعَمِ الله مجازاةُ المجرمين؛ فلا يُتْرَكُونَ بِدُونِ حِسَابٍ وَلا جَزَاءٍ، ولا يُهْمِلُهُمُ اللهُ.

قوله: {يُعْرَفُالْمُجْرِمُونَبِسِيمَاهُمْفَيُؤْخَذُبِالنَّوَاصِيوَالْأَقْدَامِ} .

المُجْرِمُ المرادُ به الشِّرْكُ الأكبرُ، والكفرُ؛ فكانوا يقولون: «ليس هناك إِلَهٌ ولا جَنَّةٌ ولا نَارٌ» .

بَيَّنَ - سبحانه - كيف يُعْرَفُونَ بعلاماتهم المميَّزة لهم؛ فلا يحتاجون إلى سُؤَالٍ؛ فمناظرُهم السَّيِّئةُ والمُحْزِنَةُ تَظْهَرُ على مُحَيَّاهُمْ وعلى ملامحهم؛ وهي سَوَادُ وُجُوهِهِمْ، وزُرْقَةُ عيونهم.

كما أنَّالمؤمنين يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ؛ فَيُبْعَثُونَ يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْأَثَرِ الوضوء، فَيُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمُ الطَّيِّبَةِ، وَمَلامِحِهِمُ الكريمةِ.

قوله: {فَيُؤْخَذُبِالنَّوَاصِيوَالْأَقْدَامِ} .

أي: يُجْمَعُ ما بين نَوَاصِيهِمْ - وهي مقدِّمةُ الرَّأْسِ - وَبَيْنَ أَقْدَامِهِمْ. وهذا تعذيبٌ لهم. وَيُطْرَحُونَ في النَّار، وهذا من نِعَمِ الله مجازاةُ المجرمين.

قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .

لأنَّ عِقَابَ العُصَاةِ وَجَزَاءَ المحسنين نِعْمَةٌ، ويدلُّ على عَدْلِهِ - تعالى - وَكَمَالِ فَضْلِهِ وإحسانه.

قوله: {هَذِهِجَهَنَّمُالَّتِييُكَذِّبُبِهَاالْمُجْرِمُونَ} .

يقال لهؤلاء المجرمين تحقيرًا لهم حينما تأتي النَّارُ يَوْمَ القيامة ويرونها معايَنةً، ويقال لهم: «هذه النَّارُ» ؛ تَوْبِيخًا لهم، وَزِيَادَةً في حَسْرَتِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ؛ لأنَّ رؤيةَ النَّارِ قَبْلَ دخول النَّارِ عَذَابٌ.

قوله: {يَطُوفُونَبَيْنَهَاوَبَيْنَحَمِيمٍآَنٍ} .

وَصْفَانِ لهذا العذاب:

-أنَّه حَمِيمٌ: ماءٌ حارٌّ وشديدُ الحرارة.

أي: يتردَّدون بين سَعِيرِهَا وحرِّها وعذابها، وبين السُّقْيَا من حَمِيمٍآنٍ.

فهم تَارَةً يعذَّبون في النَّار، وتارةً يُشْرَبُونَ وَيُسْقَوْنَ من الحميمِ، وهو شرابٌ في منتهى الحرارة.

قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .

أي: لا أَحَدَ ينكر نِعَمَهُ؟ فَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَدْلُ الله؛ لا يعذِّب من يستحقُّ النَّعِيمَ، ولا ينعِّم من يستحقُّ التَّعذيبَ.

فلمَّا كان معاقبةُ العُصَاةِ المجرمين، وكان إنذارُه لهم من عذابه وبأسه ممَّا يزجرهم عمَّا هم فيه من الشِّرْكِ والمعاصي، ففيه نِعْمَةٌ عظيمةٌ، كما قال الله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} .

وفيالمقابل لمَّا كان تنعيمُ المتَّقين مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ دافعًا لهم للخير، لمَّا ذَكَرَ اللهُ النَّارَ وأوصافَها وما يَلْقَاهُ أهلُها من العذاب، ذَكَرَ الجَنَّةَ؛ حتَّى يَجْمَعَ بين الخوف والرَّجاء.

وهذا مِنْ حِكْمَتِهِ - سبحانه -أنَّه يجمع بين الوَعْدِ والوعيد، وبين ذِكْرِ الجنَّة والنَّار.

لمَّا عدَّد اللهُ آلاءَهُ الدِّينيَّة والدُّنيويَّةَ، عدَّد هنا آلاءَهُ على عباده المؤمنين في الجنَّة، والغَرَضُ من تعدُّيد هذه النِّعَمِ الدِّينيَّة والدُّنيويَّة والأخرويَّة شُكْرُهَا.

قوله: {وَلِمَنْخَافَمَقَامَرَبِّهِجَنَّتَانِ} .

قال ابنُ القيِّم: «هو العبدُ يَهْوَى المعصيةَ، فيذكرُ مقامَ رَبِّهِ عليه في الدُّنيا، فيراقبَه، وَيَخَافَهُ، ويذكرُ مقامَه بين يديه في الآخرة، فيخافَه أيضًا.

فَمَنَعَهُ عن هَوَى نَفْسِهِ ذِكْرُ مَقَامِ رَبِّهِ في الدُّنيا، وَذِكْرُمَقَامِ رَبِّهِ في الآخرة؛ بِخِلافِ مَنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ في الآخرة، ولا يخاف مَقَامَ رَبِّهِ في الدُّنيا، واللهُ قَادِرٌ على أن يعاقبَه في الدُّنيا قَبْلَ الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت