فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 581

ولو فكَّر في مَقَامِ رَبِّهِ في الدُّنيا، لخافه. انْظُرْ إلى السَّارق إذا أراد أن يَسْرِقَ، يَنْظُرُ يمينًا وشِمالًا، ويراقب النَّاسَ، ويخاف منهم، ولا يراقب ربَّه فَوْقَهُ، وهو يراه، وهو قَادِرٌ عليه.

ويوسف - عليه السَّلامُ - لمَّا قالت له المَرْأَةُ: «هَيْتَ لَكَ» . قال: «مَعَاذَ اللهِ» .

وَمِنْ هنا هذه الآيةُ الكريمةُ فيها وَجْهَانِ، وكلاهما يَشْهَدُ له قُرْآَنٌ.

-أحدُهما: أنَّالمرادَ بقولهتعالى: {مقام ربه} أي: قِيَامَهُ بين يدي ربِّه، وَعَرْضَهُ عليه للحساب والجزاء.

فإذا خِفْتَ هذا المقامَ، اسْتَعَدَّ له. ويؤيِّده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فلمَّا حَضَرَهُ الموتُ قال لِبَنِيهِ: إذا أنا مِتُّ، فأحرقوني، ثمَّ اطْحَنُونِي، ثمَّ ذرُّوني في الرِّيح، فواللهِ لَئِنْ قَدَرَ عليَّ ربِّي، ليعذِّبَنِّي عذابًا ما عذَّبه أحدًا.

فَلَمَّا مَاتَ، فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ. فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبُّ خَشَيْتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ». متفق عليه.

-والثَّاني: قِيَامُ اللهِ عَلَيْهِ؛ أَيْ: مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ؛ {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ} ؛ أَيْ: خاف هذا العَبْدُ قِيَامَ اللهِ عَلَيْهِ، وَمُرَاقَبَتَهُ لأعمالِه، وإحصاءَها عليه.

وزاد بعضُهم: {مقام ربه} أي: عَظَمَتَهُ. وكلُّها مُتَقَارِبَةٌ.

والصَّحيحُ ما ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ؛ يَذْكُرُ مقامَ ربِّه في الدُّنيا، وَيَذْكُرُ مَقَامَ رَبِّه في الآخرة.

ولاشَكَّ أنَّ اسْتِحْضَارُ معيَّة الله في كلِّ وَقْتٍ وزمانٍ ومكانٍ؛ اللهُ مَعَنَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقُدْرَتِهِ وإحاطته.

وليس مَعَنَا بِذَاتِهِ؛ فهو فَوْقَ عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ إذا نَطَقْتَ فَاعْلَمْ أنَّاللهَ يسمعك، وإذا عَمِلْتَ فَاعْلَمْ أنَّاللهَ يَرَاكَ، وإذا أَضْمَرْتَ سَرِيرَةً، فاعلم أنَّاللهَ مُطَّلِعٌ عليها.

الكثيرُ مِنَّا يتكلَّم ونحن غافلون عَنْ مَعِيَّةِ الله. يجب علينا أن نَخَافَ مِنَ الله، وَنَخَافَ عِقَابَهُ وَقُدْرَتَهُ علينا.

انظروا إلى قَارُونَ حِينَمَا تجرَّأ على حُدُودِ الله؛ {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} وأيضًا الرَّجل المختالُ خَسَفَ اللهُ به وَبِرِدَائِهِ؛ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

نعوذ بالله العَظِيمِ من ذَنْبٍ لا يغفره، أو خَطِيئَةٍ مُحْبِطَةٍ.

اذكروا عَظَمَةَ الله وَقُدْرَتَهُ وشدَّة عقابه، أَلَسْنَا نَقْرَأ: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه} .

السَّمَاواتُ والأرضُ في قَبْضَتِهِ، ولا تساوي شيئًا، فكيف يحيط به شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ؟

«السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُونَ فِي يَدِ اللهِ كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدَيْأَحَدِكُمْ» . فلو قال إنسانٌ: إنَّجَبَلًا عَظِيمًا يَدْخُلُ بَيْضَةً، لَقَالَ عنه النَّاسُ: إنَّه لمجنونٌ، أو فاقدُ العقل. أو: مستحيلٌ.

فلا إِلَهَ إلاَّ اللهُ! ما أَعْظَمَ اللهَ! وكيف يحيط به شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ والسَّماواتُ السَّبْعُ والأراضين السَّبْعُ كَسَبْعَةِ دَرَاهِمَ في صَحْنٍ.

يَقُولُ نبيُّنا محمَّدٌصلَّى الله عليه وسلَّم: «يا عُدَيَّ بْنِ حَاتِمٍ مَا يَفِرُّكَ؟ أَيَفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟ وَهَلْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَا عُدَيُّ؟ مَا يَفِرُّكَ؟ أَيَفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ اللهُأَكْبَرُ؟ وَهَلْ شَيْءٌأَكْبَرُ مِنَ اللهِ؟» ابن حبان.

واللهِ ما نَقُولُ قَوْلًا إلاَّ بِسَمْعِ الله، ولا نعمل عملًا إلاَّ واللهُ يراه؛ {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} .

قوله: {جنتان} .

الصَّحيحُ أنَّلكلِّ وَاحِدٍ جَنَّتَيْنِ، لا جَنَّةً وَاحِدَةً، وهما البستانان في رياض الجنَّة؛ فإنَّ إحدى الجنَّتين جَزَاءُ أَدَاءِ الأَوَامِرِ، والثَّانيةُ جزاءُ اجتناب المَحَارِمِ. ذَكَرَهُ ابنُ القيِّم في «هادي الأرواح» .

وفي هاتين الجنَّتين مُتَعٌ كثيرةٌ، وفي الحديث قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آَنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آَنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلاَّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» . متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت