فهرس الكتاب
فَوَصَفَ اللهُ نساءَ الجنَّة بِوَصْفَيْنِ؛ قَصْرِ الطَّرف على أزواجهنَّ؛ لأنَّها قصرت نفسَها وَقَلْبَهَا عليه؛ فلا تلتفت إلى سواه، ولا تنظر إلى غيره.
والصِّفةُ الثَّانيةُ: قاصرات؛ أي: ملازماتٍ البيوتَ في جميع الأوقات؛ فلا يَطُفْنَ في الطُّرُقَاتِ؛ لأنَّ الجنَّةَ مُنَزَّهَةً عن الشَّرِّ والفتنة؛ لقصرهنَّ عن التَّبرُّج، والبروز، والظُّهور للرِّجال، وكلُّه تكريمًا لأزواجهنَّ.
ومختصرُ القول: وَصَفَ الله نِسَاءَ أهل الجنَّة جميعًا بأنَّهنَّ قاصراتٍ ومقصوراتٍ؛ فكلُّ وَاحِدَةٍ قَصَرَتْ طَرْفَهَا، وهي مقصورةٌ في مكانها لا تُفَارِقُهُ، قُصِرَتْ على زَوْجِهَا.
والثَّانيةُ: قُصِرَتْ فلا تخرج ولا ترى إلاَّ زوجَها، وفي الدُّنيا أَمَرَ اللهُ المَرْأَةَ أن تقرَّ في بيتها، فلا تخرج إلاَّ لحاجةٍ ضروريَّةٍ؛ لأنَّ المرأةَ إذا خَرَجَتْ من بيتها استشرفها الشَّيطانُ، وَفَتَنَهَا، وَفُتِنَ بها.
قوله: {في الخيام} .
هذا في الجنَّة مَنَازِلُ خَاصَّةٌ. وخيامُ الدُّنيا معروفةٌ، لَكِنْ خِيَامُ الجنَّة تختلف؛ فهناك منازلُ مبنيَّةٌ ثابتةٌ، وهناك مَنَازِلُ خِيَامٍ منقولةٌ مِنْ أَجْلِ رَفَاهِيَةِ السُّكَّان وَتَنَعُّمِهِمْ.
ولأنَّ الحُورَ مَقْصُورَاتٌ؛ إمَّا في السَّكَنِ، أو في الخِيَامِ.
وهذه فَضِيلَةٌ لهنَّ؛ عَدَمُ الخروج. وتكريمًا لأزواجهنَّ.
ويجب أن تكون المرأةُ المؤمنةُ في الدُّنيا على تلك الصِّفة.
ثبت في مُسْنَدُ الإمام أحمد وسُنَنُ أبي داود وسُنَنُ البيهقيِّ عن أمِّ ورقة بنت نَوْفَلٍ- رضي الله عنها - أنَّها قالت للنَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في موقعة بَدْرٍ: «يَا رَسُولَ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - ائْذَنْ لي أن أخرج معكم؛ حتَّى أداويَ مرضاكم، وأقومَ على شئونكم، لعلَّ اللهَ يَكْتُبُ لي الشَّهادة -رضي الله عنها- فقال لها النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا أُمَّ وَرَقَةَ، اقْعُدِي في بَيْتِكِ؛ فَإِنَّ اللهَ سَيُهْدِي إِلَيْكِ شَهَادَةً فِي بَيْتِكِ» .
-نماذجُ من نساء السَّلف حَفِظْنَ أنفسهنَّ في بيوتهنَّ:
حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ لَزِمَتْ مُصَلاَّها ثَلاثِينَ سَنَةً، فما خَرَجَتْ منه إلاَّ لِحَاجَةٍ، أو لِقَائِلَةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في «البداية» أنَّفاطمةَ بِنْتَ نَصْرٍ العطَّار ما خرجت من بيتها إلاَّ ثلاثَ مرَّاتٍ، عندما تَزَوَّجَتْ، وعندما حَجَّتْ، وعندما ذَهَبَتْ للقاء اللهِ بعد موتها.
وَذَكَرَ ابْنُ العربيِّ في تفسير {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} يقول: «طُفْتُ أَكْثَرَ من نَيِّفٍ وألف قَرْيَةٍ، فما رأيتُ نِسَاءً أَصْوَنَ ولا أفضل ولا أكثر من نساء نَابُلْسَ في بلاد فِلَسْطِينَ» .
يقول: «مَا وَقَعَتْ عَيْنَايَ على امرأةٍ قَطُّ في يَوْمٍ من الأيَّام إلاَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ فقط، ثمَّ يَخْرُجْنَ إلى المسجد، فيمتلئ المسجدُ بهنَّ، وهنَّ في طَرْفٍ، ولهنَّ مكانٌ خاصٌّ بهنَّ، فإذا سَمِعْنَ الموعظةَ، عُدْنَ إلى بيوتهنَّ وهنَّ يَمْشِينَ بجوارِ الجدران، لا مِنْ وَسَطِ الطَّريق» .
قوله: {لَمْيَطْمِثْهُنَّإِنْسٌقَبْلَهُمْوَلَاجَانٌّ} .
دَلَّ على أنَّهنَّأبكارٌ؛ فالبكرُ لها شَأْنٌ، ولها فَضْلٌ على الثَّيِّبِ.
وفي الحديث: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ؛ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ» . رواه الطبراني (ضعيف) وحديث جَابِرٍ: «هَلاَّ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ» .متفق عليهو أم المؤمنين عَائِشَةُ رضي الله عنها تذكر هذه الصِّفَةَ فيها، فتقولُ للنَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «يا رسولَ الله - عليه صلواتُ الله وسلامُه - أَرَأَيْتَ لو نَزَلْتَ وَادِيًا فِيهِ شَجَرٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتُ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تَرْتَعُ بَعِيرَكَ؟ فَقَالَ عليه الصَّلاة والسَّلامُ: «فِي الَّتِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا» .رواه البخاري.
قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} .
جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - قَصْرَ الحُورِ في خيامهنَّ مِنْ نِعَمِ الله، وكذلك قَصْرُ المرأة في بيتها مِنْ نِعَمِ الله لو كانوا يعلمون.