فَأُمِرْنَا بالتَّبَيُّنِ، فإن قامت قَرَائِنُ تَدُلُّ على صِدْقِهِ، أُخِذَ به.
قوله تعالى: {أَنْتُصِيبُوا قَوْمًا} .
علَّل سَبَبَ التَّثبُّت خَشْيَةَ الوقوع في الإثم وخصوصًا فيما يتعلَّق بالأَعْرَاضِ والأَمَانَاتِ والأموال وما يترتَّب عليه من ضياع الحقوق؛ لأنَّ الَّذي يفرِّق بين المسلمين سوءُ العلاقة، وسوءُ العلاقة سببُه نقلُ الأخبار. لذلك أُمِرْنَا بالتَّثبُّتِ من هنا.
قال بعضُ العلماء: «لاتتَّخذ قرارًا على خَبَرِآَحَادٍ قبل التَّثبُّت والتَّحقُّق منه؛ فَعَدْلُ سَاعَةٍأفضلُ من أن تعبدَ اللهَ ثمانين سَنَةً» .
في قصَّةٍشكسبير وهي مسرحية أنَّرجلًا شكَّ بزوجته بِوِشَايَةِ مُغْرِضٍ فقتلها، وبعد أن قتلها ثَبَتَ له أنَّها بَرِيئَةٌ، فانتحر. فَشَيْءٌ كَبِيرٌ أن تتَّهم إنسانًا بِشَيْءٍ وهو بَرِيءٌ منه.
هذا كلُّه تَأْدِيبٌ للمؤمنين في نَقْلِ الأَخْبَارِ والأقوال، خصوصًا إذا فشا الكذبُ والأهواءُ والشَّائعاتُ.
وكم حَصَلَ مِنْ كَوَارِثَ وَنَتَائِجَ وَخِيمَةٍ بسبب عدم التَّثبُّتِ! لأنَّ النَّاقِلَ يَنْقُلُ نِصْفَ الحقيقة، وَآَفَةُ الأَخْبَارِ رُوَاتُهَا.
قوله تعالى: {واعْلْمُوا أَنَّفِيكُمْ رَسُولَ الله} .
أي اعلموا أنّبين أظهركم رَسُولَ الله، فعظِّموه، ووقِّروه، وتأدَّبوا معه؛ «فلو أطاعكم رسولي في كثيرٍ ممَّا تريدون، لَشَقَّ عليكم ذلك، ولهلكتم، وفسدت مصالحُكم وأنتم لاتشعرون، فلا تظنوا أنَّنفوسَكم تريد لكم الرُّشدَ والصَّلاحَ» ؛ فأكثرُ ما يَجْنِي على المَرْءِ اجتهادُه.
وله أَمْثِلَةٌ كَثِيرةٌ، وَمِنْهَا قيامُهُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالصَّحابة في رمضان ليلةً ثمّانصرف، فقالوا: لو نَفَلْتَنَا بقيَّة لَيْلَتِنَا. فقال: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلِهِ» رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجة.
وكذلك قصَّة النَّفر الَّذين تقالُّوا عبادةَ النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال أحدُهم: أنا أقوم اللَّيل. والآخر قال: أصوم النَّهار. والآخر قال: لا أتزوَّج النِّساء. فقال النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنَا أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رواه البخاري. وَقِسْ عليها حوادثَ كثيرةً في باب الاقتصاد في الطَّاعات.
لذلك «لاتقدِّموا بين يدي رسولي، ولا تقولوا حتَّى يقول، ولا تفعلوا حتَّى يأمر» ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - باقٍ فينا مابَقِيَ فينا التَّمسُّكُ بالكتاب والسُّنَّة، ومن ثمَّوفَّقكماللهُ إلى طاعة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بسبب تحبيب الإيمان.
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَإلَيْكُمُ الإِيمَانَ} .
جاء بحرف الاستدراك «لَكِنَّ» ؛ «فلولا أنِّي حبَّبتُ لكم الإيمانَ وزيَّنتُه في قلوبكم، وكرَّهتُإليكم ضدَّه من الكفر والفسوق والعصيان، لَمَا وَقَعَ منكم، ولا سَمَحَتْ به نفوسُكم» .
أي: لم تكن محبَّتُكم للإيمان وإرادتُكم له وتزيينُه في قلوبكم منكم، ولكنَّ اللهَ جَعَلَهُ في قلوبِكم؛ فلولا تَوْفِيقُ الله لكم، لَمَا أَذْعَنَتْ نفوسُكم للإيمان؛ فالإيمانُ لم يكن بمشورتِكم وتوفيقِكم لأنفسكم؛ فنفوسُكم تُقَصِّرُ وَتَعْجَزُ عن ذلك.
قوله تعالى: {حَبَّبَإِلَيْكُمُ الإِيمَان} .
أَخْبَرَ - سبحانه -أنَّه تفضَّل على عباده المؤمنين، فجعل في قلوبهم الأَمْرَيْنِ؛ حبَّه، وحُسْنَهُ، وحبُّ الشَّيء قد يكون عارضًا، فَزَادَهُمْ كَرَامَةًأُخْرَى، فَزَيَّنَهُ في قلوبهم؛ حتَّى يستمرُّوا، وَيَثْبُتُوا عليه.
قوله تعالى: {كَرًّهَإِلَيْكُمُ الكُفْرَ} .