فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 581

وألقى أيضًا في قلوبهم كَرَاهِيَةَ ضِدِّهِ من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالكفرُ هو الخروجُ من الإسلام بالكلِّيَّة، والفسوقُ لايُخْرِجُ من الإسلام، وَلَكِنْ يُنْقِصُ الإيمان؛ مثل الكبائر والعصيان سائر المعاصي الَّتي دون الكبائر.

قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُون} .

الرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ؛ فمن اتَّصف بهذه الصِّفات فهو رَاشِدٌ، والرَّشَادُ في الدِّين هو الاستِقَامَةُ على دين الله.

قوله تعالى: {فَضْلًا مِنَ اللهِ ونِعْمَة} .

الخيرُ كلُّه من الله، والنِّعَمُ كلُّها نِعَمُة الدِّين والدُّنيا والآخرة كلُّها منه على عباده.

أي أنَّذلك مَحْضُ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ عليهم؛ فلم يَكِلْهُمْ إلى أنفسِهم، بل تولَّى- سُبْحَانَهُ - هذا التَّحْبِيبَ، والتَّزيينَ، وَتَكْرِيهَ ضِدِّهِ، فَجَادَ عليهم به فضلًا منه ونعمةً.

قوله تعالى: {واللهُ عَلِيمٌ حَكِيم} .

اللهُ عَلِيمٌ بمواقعِ فَضْلِهِ، وَمَنْ يَصْلُحُ له، ومن لايَصْلُحُ، حَكِيمٌ بِجَعْلِهِ في مواضعه؛ فهو أَحْكَمُ الحاكمين، لايَضَعُ الأشياءَإلاَّ مَوَاضِعَهَا اللاَّئقِةَ بها، ولا يناقض جودَه ورحمتَه وفضلَه.

قوله تعالى: {وإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} .

أَمَرَ - سبحانه - بالإصلاح بين المقتتلين من المسلمين، وَدَفْعِ الباغي، وَحَلِّ مَشَاكِلِ المسلمين بينهم.

فنزلت هذه الآيةُ في البُغَاةِ، وَقِتَالأَهْلِ البَغْيِ ثَابِتٌ في القُرْآنِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بين المسلمين.

والفرقُ بين الباغي والخارجيِّ أنَّالباغيَ يقاتل بتأويلٍ محتملٍ، والخارجيَّ يقاتل بتأويلٍ باطلٍ. والخوارج الذين يمرقون من الدين بسبب تكفيرهم للصحابة خير الأمة نتيجة الغلو الذي دخلوا فيه

وهذه الآيةُ نَزَلَتْ في قِتَالٍ بين الأَنْصَارِ؛ حَيْثُ اقتتلت الأوسُ والخزرجُ كما في «الصَّحيحين» عن أَنَسٍ قال: قيل للنَّبيِّ لو أتيت عبدالله ابن أُبَيٍّ. فانطلق إليه النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وَرَكِبَ حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أَرْضٌ سَبِخَةٌ.

فلمَّا أَتَاهُ النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إِلَيْكَ عَنِّي، واللهِ لقد آَذَانِي نَتَنُ حِمَارِكَ. فقال رَجُلٌ من الأنصار منهم: واللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِأَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لعبدالله رَجُلٌ من قومه، فَشَتَمَهُ، فغضب لكلِّ واحدٍ منهما أصحابُه، فكان بينهما ضَرْبٌ بالجَرِيدِ والأيدي والنِّعال، فَبَلَغَنَا أنَّها نَزَلَتْ.

-فَائِدَةٌ ومَلْحَظٌ مُهِمٌّ: الخِلافُ والفِرَقُ والمنازعةُ بين النَّاس سببُها الشَّيطانُ وحبُّ الدُّنيا، وقدأَخْبَرَ بها النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - عندما قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ-وفي روايةٍ: يَئِسَ - أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

يُحرِّش بين المَرْءِ وَزَوْجِهِ، وبين الابنِ وأَبِيهِ، والأَخِ وأَخِيهِ. لذلك قال اللهُ تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَأَحْسَنُإِنَّالشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} .

النَّمَّامُ مِنْ جنودِ الشَّيطانِ؛ {ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ} ما معنى «أَوْضَعُوا» ؟ {أوضعوا خلالكم} يَعْنِي: أَسْرَعُوا بينَكم يبغونكم الفِتْنَةَ بالنَّميمة والتَّحريش.

وكذلك التَّنافسُ على الدُّنْيَا؛ ففي الحديث: «فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوا فِيهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» . رواه البخاريُّ.

الخِلافُ بين المسلمين يَجِبُ أن يَحُلَّهُ حكماءُ المؤمنين بما شَرَعَ اللهُ؛ لا أن يحلَّه أعداءُ الله.

ولمَّا حُلَّت مشاكلُ المسلمين اليوم على أيديأعدائهم، ترتَّب على ذلك مفاسدُ عَظِيمَةٌ.

قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت