فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 581

أوَّلُ خُطْوَةٍ الإصلاحُ؛ لأنَّ الإصلاحَ خَيْرٌ. وَطَرِيقَةُ الإصلاح أن يدعوا إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -ليحكما بينهما، ولو كان بالتَّنازل مقابل مالٍ، ولو كان أيضًا بالتَّنازل عن بعض حقِّه في سبيل الإصلاح.

قوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} .

الخطوة الثَّانيةُ: قِتَالُ الباغي منهما، ويكون القتالُ بِقَدْرِ الحاجة.

قوله تعالى: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله} .أي: ترجع للصَّواب.

قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءَتْ} أي: رَجَعَتْ للصَّواب. فلا حاجةَ للقتال، ولا يجهز على جريحِهم، ولا تُغْنَمُأموالُهم، ولا يُطْلَبُ هاربُهم؛ لأنَّهم مسلمون.

قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} أي: إن رَجَعَتْ للصُّلْحِ مَرَّةًأخرى فيصلح بينهما بالعدل؛ لأنَّ الصُّلْحَ يُشْتَرَطُ فيه أمران:

-الأوَّلُ: أن يكون بالعدل دُونَ انحيازٍ إلى فِئَةٍ دونَ فئةٍ.

-والثَّاني: أن يكون بالتَّراضي بين الطَّرفين.

قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا} أَمْرٌ أن يكون الصُّلْحُ بالعدل دُونَ تَحَيُّزٍ.

أمَّا القِسْطُ فهو الجَوْرُ والظُّلم؛ أي فلا تتجاوزوا في أحكامكم حُكْمَ الله وحُكْمَ رسولِه؛ وهو من باب التَّأكيد؛ ففي الحديث: «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ» . رواه مسلمٌ.

وفي الحديث: «المُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ العَرْشِ؛ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» . رواه مُسْلِمٌ.

قوله تعالى: {إنَّاللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِين} .

أي أنَّاللهَ يحبّأَهْلَ الإنصافِ وَالعَدْلِ.

قوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَإِخْوَةٌ} .

أَثْبَتَ اللهُ للمؤمنين في هذه الآيَةِأُخُوَّةَ الدِّين، لا أُخُوَّةَ النَّسَبِ؛ فهذا التَّوجيهُ الرَّبَّانيُّ يبيِّن فيه أنَّالمؤمنين إِخْوَةٌ؛ سَوَاءٌ كانوا معاصرين أو متأخِّرين، ومن ثَمَّ ضَرَبَ نبيُّنا للمجتمع المؤمن مثلًا رائعًا بليغًا؛ «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» . متَّفقٌ عليه.

فهم متحابُّون متناصِحُونَ شهداءُ بالخَيْرِ، يزكِّي بعضُهم بعضًا، وكلُّ جِيلٍ يَشْهَدُ للجيلِ الَّذي قَبْلَهُ بالفَضْلِ والسَّبْقِ، وَيَدْعُو له بالقَبُولِ والمَغْفِرَةِ.

كلُّ عُضْوٍ من أعضائه مِرْآَةٌ لأَخِيهِ، يَقِيسُهُ على نَفْسِهِ، فينفي عنه التُّهَمَ، وَيُبَرِّئُهُ من كلِّ نَقِيصَةٍ؛ فقد جاء في الحديث: «المُسْلِمأَخُو المُسْلِمِ؛ لايَخُونُهُ، وَلَايَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ» .التِّرمذيُّ.

قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَأَخَوَيْكُمْ} .

أي: بموجب الأخوَّة أَصْحِلُوا بين المتخاصمين.

وحثَّنا على الإصلاح حفاظًا على أَمْنِ النَّاس من الخلافات الَّتي تفكِّك المجتمع، وتُقوِّض بُنْيَانَهُ المتماسك؛ لأنَّ المُجْتَمَعَإذا فَقَدَ التَّحابَّ والتَّناصحَ والمحبَّةَ يصبحون أعداء متباغضين؛ لايثق أَحَدٌ بِأَحَدٍ، ولا يتنازل أَحَدٌ لأَحَدٍ، بعضُهم يتجسَّس على أخيه، ويلفِّق عليه الأخبار، ويزوِّر عليه القضايا، وَيَشْمَتُ بِمُصَابِهِ، وَيَحْزَنُ لِسَعَادَتِهِ، ويتحوَّل البلدُ كلُّه إلى ميدان حَرْبٍ؛ ليست حربَ مدافعٍ؛ إنَّمَا حربُ بَغْضَاءَ وكراهيةٍ.

قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت