أكَّد اللهُ - تعالى - أنَّالرَّحْمَةَ تُنَالُ بالتَّقْوَى؛ لأنَّ رَحْمَةَ اللهِإنَّمَا تُنَالُ بأسبابها، ولذلك أكَّد اللهُ على ذلك في كتابه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون} ، وقوله تعالى: {إِنَّرَحْمَة اللهِقَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِين} .
قوله تعالى: {لايَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} .
ناداهم بالإيمان؛ لأنَّ المُؤْمِنَ لايَلِيقُبه أن يَسْخَرَ من أخيه.
فلمَّا ذكر- سبحانه -أَكْبَرَ ما يفرِّق المسلمين القتالَ، ذَكَرَ هنا مُخَلْخِلات الأُخُوَّة السِّتَّ؛ وهي من أعظم أسباب الفُرْقَةِ بين المسلمين؛ لأنَّ الدِّينَ يقوم على أَمْرَيْنِ؛ التَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ.
فأمَّا التَّخْلِيَةُ فيتخلَّى عن الرَّذائل، ثمَّ يكتسب الفضائلَ؛ {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ باللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى} . أمَّا فضائلُ وهو متلطِّخٌ بالرَّذائل فلا يصلح أبدًا.
«لا» النَّاهِيَةُ وَرَاءَهَا فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عنه، وَذُكِرَ في سورة الحُجُرَاتِ تِسْعَ مَرَّاتٍ؛ {لا تُقَدِّمُوا} ، {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتِكُم} ، {لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} ، {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ} ، {ولا تَنَابَزُوا} ، {ولا تَلْمِزُوا} ، {ولا تَجَسّسُوا} ، {ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُم} ، {لا تَمُنُّوا عليَّ} .
قال ابنُ كَثِيرٍ: «يَنْهَى- تعالى - عن السُّخْرِيَةِ بالنّاسِ واحتقارِهم والاستهزاءِ بهم» . والسُّخْرِيَةُ هي التَّنقُّصُ للمسلمين.
ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» : «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» .
قال ابنُ رَجَبٍ: «يعني: يَكْفِيهِ من الشَّرِّ احتقارُ أخيه المسلم؛ فإنَّه إنَّما يحتقر أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكبرُ من أَعْظَمِ خصال الشَّرِّ، وَفُسِّرَ الكِبْرُ بأنَّه بَطَرُ الحقِّ، وَغَمْطُ النَّاس» .
والسَّببُ في ذلك: أنَّ المُفضِّلَ هو الله، ويلزم من سخريتك بغيرك أن تسخر من تقدير الله.
ففي الحديث: «يُؤْذِينِي ابْنُ آَدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» . رواه البخاريُّ.
فاللهُ الَّذي خَلَقَ الزَّمان والمكان؛ فلا تُلْقِ باللَّومِ على الأيَّام واللَّيالي، ولكن العلاجُ أن يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب.
وسخريةُ الإنسان من أخيه لِكَوْنِهِ دُونَهُ في العِلْمِأَوِ المال أَوِ الخُلُقِأو في الخِلْقَةِ دَلِيلٌ على ضَعْفِ الإيمانِ.
ولذلك يوجِّهنا نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أن جَوْهَرِ المسلم في قَلْبِهِ وسُلُوكِهِ، وما عدا ذلك فلا كَسْبَ للإنسان فيه.
ففي الحديث: «إِنَّ اللهَ لايَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه مسلم.
قوله تعالى: {عَسَى أَنْيَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} .
أي: لعلَّ أن يكون المَسْخُورُ منهم خَيْرًا من السَّاخرين.
قوله: {ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} .
دَلَّ على أنَّالمرادَ بالقوم الرِّجالُ، والمرادُ هنا لاتسخر المرأةُ من أختها المسلمة.
ونصَّ على النِّساء والرِّجال بالتَّفصيل، حتَّى لا يقولَ أَحَدٌ: إنَّهذا خَاصٌّ بالرِّجال، أو خَاصٌّ بالنِّساء. وهذا الأدبُ عَامٌّ لجميع الأمَّة مع بعضهم البعض.
وحذَّرنا ربُّنا مِنَ الكِبْرِ؛ لأنَّهُ يؤذي النَّاس من خلال احتقارهم، ويؤذي الإنسانَ نَفْسَهُ بالتَّوَهُّمِأنَّهُ عَظِيمٌ وكبيرٌ.
المتكبِّرُ مثلُ الصَّاعد جبلًا يرى النَّاسَ صغارًا ويرونه صغيرًا.