وأعظمُ السُّخْرِيَةِ أن تُطْلَقَ على جماعاتٍأو بُلْدَانأو قَبِيلَةٍ؛ ففي الحديث: «إِنَّأَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا، فَهَجَا القَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا» . رواه ابنُ ماجه.
إنَّأَعْظَمَ ما نحتاجه اليَوْمَ خُلُقَ الإِنْصَافِ؛ فقد وُجِدَ الكفرُ في بيت نَبِيَّيْنِ، وَخَرَجَ الإيمانُ من بيت أعدى أعداء الله.
وهذا فيه مَوْعِظَةٌ لأَهْلِ العقول؛ حتَّى لانحكمَ بالإيمان أو الكفر لأهل بَلْدَةٍأو قَبِيلَةٍأو بَيْتٍ بصورةٍ عَامَّةٍ.
قوله: {ولاتَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} .
اللَّمْزُ: هو التَّنقُّصُ بالقول لأخيه المؤمن والطَّعن فيه. وَجَعَلَ من يَعِيبأخاه كَمَنْ يَلْمِزُهُ نفسه ويطعن فيها، وليس هناك مُؤَشِّرٌ يَدُلُّ على صَلاحِ الباطن مثل حفظ اللِّسان عن التَّعرُّض للنَّاس والخَوْضِ في أعراضهم.
حقيقةُ النَّاس بِحَاجَةٍ ماسَّةٍ إلى من يَهْتَمُّ بهم ويحترمهم ويقدِّرهم، والشَّخصُ المهذَّبُ لايتلوَّن في سلوكه، فيلقى النَّاسَ بوجوهٍ متعدِّدةٍ، بل يكرم الجميع، وَيَصْبِرُ على الجميع؛ فَحُسْنُ الخُلُقِ احتمالُ الأذى.
لذلك أرشد الإسلامُ المسلمَ إلى أن يَنْظُرَ إلى النَّاس بالمِنْظَارِ عَيْنِهِ الَّذي يُحِبُّ أن يُنْظَرَإِلَيْهِ منه.
النَّاسُ لايحبُّون من يتكبَّر عليهم، ولا من يَهْضِمُ حقوقَهم، ولا من يستأثر بالمنافع دونَهم. لذلك قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنأَحَبَّ أَنْيُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْيُؤْتَى إِلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قوله: {ولاتَنَابَزُوا بالأَلْقَابِ} .
أي: إِطْلاقَأَوْصَافِ السُّوءِ وَأَسْمَائِهَا عَلَيْهِ. أَيْ: لا تتداعوا بالألقاب، وهي الَّتي يَسُوءُ الشَّخْصَ سَمَاعُهَا.
فقد ذَكَرَ الإمامُ ابن كَثِيرٍ عن أبي جبيرةَ بن الضَّحَّاك قال: فينا نَزَلَتْ؛ في بَنِي سَلَمَةَ: {ولا تنابزوا بالألقاب} .
قال: قَدِمَ رسولُ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - المدينةَ وليس فينا رَجُلٌ إلاَّ وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان إذا دُعِيَ أَحَدٌ منهم باسمٍ من تلك الأسماء قالوا: يا رسولَ الله، إنَّه يَغْضَبُ من هذا. فنزلت: {ولا تنابزوا بالألقاب} . رواه أحمد.
واليومَ ترى الشَّخْصَ يُغيِّر اسمَه، ويكره لقبًا معيَّنًا، وتجد أنَّالنَّاسَ يصرُّون على أن يدعوه باللَّقب الَّذي يَسُوءُهُ، غَيْرَ مُبَالِينَ بِالوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ.
وفي حديث البراء الَّذي أخرجه الإمامُ أَحْمَدُ: «فَيُصْعِدُونَ بِهَا، فَلا يَمُرُّونَ - يَعنِي بها- عَلَى مَلأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ إِلاَّ قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُة؟ فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنِ فُلانٍ. بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا في الدُّنْيَا» .
ولذلك مِنْ تَمَامِ الإيمان أَنيحبَّ المرءُ لإخوانه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ لهم ما يكْرَهُ لِنَفْسِهِ.
فهل تُحِبُّ أنَّأحدًا يشتمك أو يَسُبُّكأو يتنقَّصك؟ الجواب لا.
ولذلك أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام: «لايُؤْمِنُأَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . متفق عليه.
بَاعَ محمَّدُ بْنِ وَاسِعٍ حِمَارًا، فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: أَتَرْضَاهُ؟ فقال: لَوْ رَضِيتُهُ ما بِعْتُهُ.
وَتَنَابُزُ النَّاسِ بالألقاب في مَوْضِعَيْنِ:
-أوَّلُهما: في أَشْيَاءَ غَيْرِ اختياريَّة؛ ألوانِهِم، قبائلهم، وَخِلْقَتِهِمْ.
-والموضعُ الآَخَرُ: في أشياء اختياريَّةٍ؛ كلباسهم، وبيوتهم، وعاداتهم. وكلُّه مُحَرَّمٌ.
وأضرارُها اليَوْمَأَعْظَمُ؛ بسبب الانتشار، وما يترتَّب عليه من فَسَادٍ وَكَسَادٍ، وقد ضَعُفَتْ دِيَانَةُ النَّاس.
من السَّهل تصويرُ موقفٍأو مَحَلٍّ تِجَارِيٍّ ونقلُه، وقلَّ الإنصافُ اليومَ، وكثيرٌ من النَّاس عاجزٌ أن يرى بالعينين. والعلمُ وَحْدَهُ لايؤدِّي إلى الهداية إذا سَيْطَرَ الهوى على النَّاس.