فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 581

أي: لا بَارِدٌ لمن يستظلُّ به، ولا كَرِيمٌ. يراد به المكانُ والوَصْفُ؛ أي: لا خَيْرَ فيه. مَخْبَرُهُ ليس كَرِيمًا ولا باردًا.

قوله: {إِنَّهُمْكَانُواقَبْلَذَلِكَمُتْرَفِينَ} .

المترفون الغارقون في الشَّهوات، والمنحرفون عن منهج الله، وهمأعداء الرُّسُلِ؛ لأنَّ الأنبياءَ يَأْتُونَ بتكاليف شرعيَّةٍ فيعارضهم المترفون؛ لأنَّهم يريدون حياةَ الفوضى بلا تكاليفِ شريعةٍ.

قبل ذلك؛ أي: في الدُّنيا قَبْلَ دخول النَّار، منعَّمين بأنواع النَّعيم، ومُنْهَمِكِينَ في الشَّهوات، وَنَسُوا يَوْمَ الحساب.

التَّرَفُ مَذْمُومٌ؛ لأنَّه مَظِنَّةُ الطُّغيان، والتَّرَفُ يَجْمَعُ بين الإسراف والتَّبذير؛ فالإسرافُ مُجَاوَزَةُ الحدِّ المشروع والمأذون فيه، والتَّبذيرُ صَرْفُ المال في الحرام.

وحقيقةُ التَّرَفِ البَحْثُ عن الملذَّات بأيِّ وَجْهٍ كان؛ سَوَاءٌ كان مِنْ حِلٍّ أو من حرامٍ، وسواءٌ كان مأذونًا فيه أو غَيْرَ مأذونٍ، وهذه في الواقع صِفَةُ الكافر؛ لا يُحِلُّ حلالًا، ولا يُحَرِّمُ حَرَامًا، وإنَّما يتَّبع هواه؛ فالكفرُ يندرج تَحْتَهُ جَمِيعُ المعاصي.

كانوا مُتْرَفِينَ أي: مستغرقِينَ في اللَّذَّات، وَيُعْطُونَأنفسَهم ما تشتهي، ويبحثون عن اللَّذَّات بأيِّ وَجْهٍ كان؛ سواءٌ كانت من حِلٍّ أو حُرْمَةٍ.

والمترفون أعداءُ الرُّسُلِ كما قال الله: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} ؛ فأكثرُ من يعترض على الرُّسُلِ هم المترفون؛ لأنَّهم لا يريدون التَّحوُّلَ عمَّا هم فيه.

فصاروا في الآخرة معذَّبين، وزال عنهم التَّرَفُ، فكانوا مشغولين في لَهْوِهِم وملذَّاتهم، ولا يصلُّون، ولا يعملون عملًا صالحًا.

قوله: {وَكَانُوايُصِرُّونَعَلَاالْحِنْثِالْعَظِيمِ} .

أي: كانوا يصرُّون على الشِّرك والكفر، وهو أعظم الذُّنوب، ولا يتوبون منه، ويدخل فيه مُخَالَفَةُ العهد، واليمينُ الغموسُ، فَنُعِّمَتْأجسادُهم، وقلوبُهم في وَحْشَةٍ من جسومهم.

قوله: {وَكَانُوايَقُولُونَأَئِذَامِتْنَاوَكُنَّاتُرَابًاوَعِظَامًاأَئِنَّالَمَبْعُوثُونَ} .

الاستفهامُ للإنكار؛ أي: كانوا ينكرون البعثَ بعد الموت، فيقولون: كيف نُبْعَثُ؟ وكيف يبعث آباءُنا؟ فكانوا يَجْحَدُونَ قدرةَ الله، ويعجِّزونه، ويطالبون بالبَعْثِ، لكن حجَّتُهم باطلةٌ؛ لأنَّ البعثَ يومَ القيامة، وليس اليومَ.

ومن هنا قرَّر اللهُ في كتابه مسائلَ كثيرةً أنكرها الكفَّارُ، وأبرزُها البعثُ بعد الموت؛ لأنَّ التَّكذيبَ بيوم البعث أصلُ قَسَاوَةِ القلوب.

وأكثرُ ركنين من أركان الإيمان مترادفان هما الإيمانُ بالله، واليوم الآخر، ومن لم يؤمن بهما فلن يَسْتَقِيمَ، وَمِنْ ثَمَّ كلُّ مَنْ فَقَدَ الإيمانَ تجرَّأ على الله، وَوَقَعَ في المحرَّمات، فيزني ويسرق ويشرب الخمر ويقتل.

وإذا رسخا أي الايمان بالله واليوم الاخر في القلب، انقادت جوارحُه لطاعة الله؛ فسببُ عدم الاستجابة لله هو حبُّ الدُّنيا، وتغلُّبُ الأهواء عليهم، وفُقْدَانُ الإيمان.

وقد أثبت اللهُ البعثَ في القرآن بعدَّة طُرُقٍ، منها الاستدلال بالبداءة على الإعادة، كما في سورة يس؛ {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} .

ومنها إخراج الضِّدِّ من ضِدِّهِ بغير سببٍ معروفٍ؛ فأخرج -سبحانه - من الشَّجر الأخضر نارًا؛ فَمَنْ قَدَرَ على ذلك قَادِرٌ على الإعادة.

ومنها أنَّخَلْقَ السَّماوات والأرض أكبرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس؛ فَمَنْ خَلَقَهَا وَيُغَيِّرُ حَالَهَا قَادِرٌ على خَلْقِ الإنسان وَبَعْثِهِ بعد مَوْتِهِ. وهذه كله مقررفي آخر سورة يس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت