فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 581

لذلك نَوَّعَ اللهُ الأدلَّةَ العقليَّة الَّتي يستدلُّ بها على البعث، وأنَّ رُجُوعَ النَّاس إلى الله كَائِنٌ لا مَحَالَةَ.

قوله: {أَوَآَبَاؤُنَاالْأَوَّلُونَ} .

أنكروا البعث لأنفسهم ولآبائهم.

قوله: {قُلْإِنَّالْأَوَّلِينَوَالْآَخِرِينَ*لَمَجْمُوعُونَإِلَامِيقَاتِيَوْمٍمَعْلُومٍ} .

أَمَرَ اللهُ رسولَه أن يجيبَهم بقولهتعالى. قلإنَّأوَّلَ الخليقة وآخرَهم مَنْ مَاتَ سابقًا ومن مات لاحقًا كلَّهم مبعوثون، ويجمعهم اللهُ جميعًا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ.

قوله: {إِلَامِيقَاتِيَوْمٍمَعْلُومٍ} .

وإنَّ هذا مؤقَّتٌ بيوم القيامة، أمَّا بَعْثُهُمْ قَبْلَ ذلك فإنَّ اللهَ لا يخلف الميعاد، ولا يغيِّر سُنَّتَهُ من أجل تحدِّيهم.

فإذا جاء، جَمَعَ اللهُ الأوَّلين والآخرين في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يسمعهم الدَّاعي، وينفذهم البصر في صعيدٍ واحدٍ، لا جَبَلَ ولا شَجَرَ ولا حَجَرَ تمدُّ فيه الأرض مدَّ الأديم، يرى أقصاهم كما يرى أدناهم.

قوله: {ثُمَّإِنَّكُمْأَيُّهَاالضَّالُّونَالْمُكَذِّبُونَ} أي: الضَّالين في العمل، والمكذِّبين في الإخبار؛ فلا عَمَلَ ولا تَصْدِيقَ.

قوله: {لَآَكِلُونَمِنْشَجَرٍمِنْزَقُّومٍ} .

أي: في ذلك اليوم وبعد البعث والجمع ودخول جهنَّم سوف تأكلون أيُّها الضَّالُّون المكذِّبون بالبعث من شجر الزَّقُّوم.

وسمِّي زقُّومًا؛ لأنَّ الإنسانَ إذا أَكَلَهُ يتزقَّمُه تزقُّمًا شديدًا؛ مثل الجائع المضطرِّ الَّذي يأكل من المَيْتَةِ على تكرُّهٍ.

فكذلك أَكْلُ الزَّقُّوم؛ يأكل من شجر الزَّقُّوم، وله أربعُ صفاتٍ: كَرِيهُ الطَّعم، وَمُنْتِنٌ، وحارٌّ، وَكَرِيهُ المَنْظَرِ.

فَيَأْكُلَهُ على كُرْهٍ؛ {فَمَالِئُونَمِنْهَاالْبُطُونَ} ؛ لشدَّة الجوع، وَزِيَادَةً في عذابهم.

مَلْحَظٌ مهمٌّ؛ أَلَمُ الجوع في النَّار سوف يكون أشدَّ على أهل النَّار من عذاب النَّار؛ فمن شدَّة الجوع وَأَلَمِهِ يأكلون هذا الطَّعامَ السَّيِّئَ؛ لِيَذْهَبَ أَلَمُ الجوع، حتَّى تمتلئ بطونُهم، وما يذهب أَلَمُهُ.

وَمِنْ شِدَّةِ العطش يشربون شربَ الهِيمِ مِنْ أَلَمِ العطش، ومع شدَّة حرارته يشربون؛ حتَّى يَذْهَبَ عنهم أَلَمُ العطش، وما يذهب.

طَعَامُ أَهْلِ النَّار وشرابُهم لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي من جُوعٍ.

لماذا لانذكر نِعَمَ الله العظيمةَ علينا في الشِّبَعِ والرِّيِّ؟ هذا نبيُّنا محمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - من شدَّة الجوع يربط على بطنه الحجر من الجوع.

يقول عمر: لقد رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَظَلُّ اليَوْمَ يَلْتَوِي ما يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يملأ به بَطْنَهُ. رواه مسلم.

وحينما حاصرت قُرَيْشٌ نبيَّنا محمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - بعدما مَنَعَ النَّجَاشِيُّ مَنْ لَجَأَإليه وأسلم عُمَرُ وَحَمْزَةُ وَبَدَأ الإسلامُ ينتشر في القبائل، أجمعوا على حصار وَمُقَاطَعَةِ بني هاشمٍ لمَّا أَبَوْا أن يُسَلِّمُوا لهم النَّبيَّ - صلَّى الله وعليه وسلَّم - حتَّى أَكَلُوا جلودَ المَيْتَةِ وَوَرَقَ الشَّجَرِ من شدَّة الجوع.

فوالله لو أَحْسَسْنَا بالجوع أَكَلْنَا أيَّ شيءٍ، ولو أَحْسَسْنَا بالعطش شَرِبْنَا أيَّ مَاءٍ.

امرأةٌ عَمِلَتْ عَمَلِيَّةً فمنعوها من الماء أربعةَ أَيَّامٍ قالت: كنتُأتقزَّز من الشُّرب بعد النَّاس، فلمَّا سمحوا لي بالشُّرْبِ، جمعتُ الماءَ الباقي في العُلَبِ وَشَرِبْتُهُ من العطش.

واليومَ يتفنَّنون في الأكل والشُّرْبِ، ولا يعتبرون بقيمة النِّعَم؛ لَوْ فُقِدَتْ واللهِ نَأْكُلُ أَيَّ طَعَامٍ.

قوله: {فَشَارِبُونَعَلَيْهِمِنَالْحَمِيمِ*فَشَارِبُونَشُرْبَالْهِيمِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت