فهرس الكتاب
الَّذي يأكل يحتاج إلى الشُّرْبِ؛ لأنَّ بطونَهم تلتهب بالنَّار؛ فأهلُ النَّار محاطون بالنَّارِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
قوله: {هَذَانُزُلُهُمْيَوْمَالدِّينِ} أي: هذه ضيافتُهم يَوْمَ الدِّين.
قوله: {هذا نزلهم يوم الدين} .
النُّزُلُ هو مكانُ الضِّيَافَةِ؛ سَوَاءٌ كان ممدوحًا أو مذمومًا، والغرضُ منه التَّهديدُ والتَّهَكُّمُ والازدراءُ.
وهذا وَصْفٌ لمكانهم؛ فالنَّارُ دارُ الهوان والعذاب.
قوله: {نَحْنُخَلَقْنَاكُمْفَلَوْلَاتُصَدِّقُونَ} .
بَعْدَمَا ذَكَرَ اللهُ - تعالى - تكذيبَ المشركين للبَعْثِ بعد الموت قال: {نحن خلقناكم} .أنتم مقرُّون بذلك. وهذا من باب الإلزام والتَّبْكِيتِ.
{فلولا تصدقون} بالبَعْثِ وبمحمَّدٍ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وما جاء به، وأنَّ اللهَ هو الواحدُ الأحدُ المستحقُّ للعبادة.
فاللهُ خَلَقَ الإنسانَ، وَخَلَقَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، وَخَلَقَ ما يَصْلُحُ به طَعَامُهُ.
قوله: {أَفَرَأَيْتُمْمَاتُمْنُونَ} .
المقصودُ بالرُّؤْيَةِ الرُّؤْيَةُ العلميَّةُ؛ بمعنى: «هل عَلِمْتُمْ؟» .
هذا السُّؤَالُ ما أجاب عليه أَحَدٌ، ولن يُجِيبَ عليه أَحَدٌ؛ فالسُّؤَالُ مَفْتُوحٌ، والتَّحدِّي بَاقٍ إلى يوم القيامة.
أمَّا معنى «تُمْنُونَ» ،أَصْلُ المَنِيِّ مِنَ الإسالة والإراقة، ولذلك سمِّيت (مِنَى) مِنَى؛ لكثرة إراقةِ الدِّماءِ تَقَرُّبًا إلى الله.
{أَأَنْتُمْتَخْلُقُونَهُ}
والمقصودُ: هل هذا الَّذي تُسِيلُونَهُ عَنْ شَهْوَةٍ، هل أنتم تَخْلُقُونَهُ؟ والهمزُ في {أأنتم} للإنكار.
والخَلْقُ يَأْتِي بمعنى التَّقدير الموافق للحكمة والغاية؛ فمعنى {تَبَارَكَ اللُه أَحْسَنُ الخَالِقِين} أي: أَحْسَنَ المُنْشِئِينَ والمُبْدِعِينَ والمُقَدِّرِينَ.
فالخَلْقُ هو الإنشاءُ بَعْدَ التَّقْدِيرِ؛ فالله هو المنفردُ بالخَلْقِ والإيجادِ.
والمقصودُ: هل أنتم تَخْلُقُونَ هذه النُّطْفَةَ وتطوِّرونها وتحفظونها؟
قوله: {أَمْنَحْنُالْخَالِقُونَ} .
الخَلْقُ دَلِيلٌ على القُدْرَةِ، وهذا تَقْرِيرٌ بِأنَّ اللهَ وَحْدَهُ هو الخَالِقُ، ومن خَلَقَ وَرَزَقَ هو من يستحقُّ العبادةَ، وكلُّ من يدَّعي أنَّه يَخْلُقُ فَلْيَخْلُقُ ذُبَابًا، ولن يستطيعوا.
وإذا كان الإنسانُ لا يستطيع أن يَخْلُقَ نَفْسَهُ، فكيف يَخْلُقُ غَيْرَهُ.
قوله: {نَحْنُقَدَّرْنَابَيْنَكُمُالْمَوْتَ} .
تقديرُ الموت بعد الحياة يدلُّ على حَصْرِ الأمر على هذا الوجه؛ أنَّاللهَ هو وَحْدَهُ مَنْ خَلَقَ الموتَ والحياةَ. وهذا دَلِيلٌ آخَرُ، وَآَيَةٌ ثَانِيَةٌ، ومُعْجِزَةٌأُخْرَى.
إنَّ اللهَ هو وَحْدَهُ مَنْ قَضَى وَحَكَمَ وَقَدَّرَ الموتَ على الخلائقِ، وهذا قَضَاءٌ لَازِمٌ على كلِّ حَيٍّ؛ فإنَّ كلَّ حَيٍّ مَيِّتٌ لا مَحَالَةَ.
والموتُهو مُفَارَقَةُ الرُّوح الجَسَدَ حتَّى يصبح الجسدُ تُرَابًا مِنَ أدِلَّةِ قُدْرَةِ الله على البَعْثِ؛ فالدَّائرةُ سَائِرَةٌ؛ خَلَقَ اللهُآدمَ مِنْ تُرَابٍ، ثمَّ طِينٍ، ثمَّ مِنْ حَمَأٍ، ثمَّ مِنْ صَلْصَالٍ.
فالإنسانُ إذا مات، تحلَّل إلى ترابٍ، فيرجعَ مرَّةًأخرى، ويتحلَّلَ شيئًا فشيئًا حتَّى يَعُودَ تُرَابًا.
قوله: {وَمَانَحْنُبِمَسْبُوقِينَ} أي: وما نحن بعاجزين. فهو قادرٌ على أن يُمِيتَ، وقادرٌ على الإعادة.
قوله: {عَلَاأَنْنُبَدِّلَأَمْثَالَكُمْ} .