فهرس الكتاب
قوله: {جَنَّاتٌتَجْرِيمِنْتَحْتِهَاالْأَنْهَارُخَالِدِينَفِيهَاذَلِكَهُوَالْفَوْزُالْعَظِيمُ} .
الخلودُ في الجنَّة، وقد جاء الخلودُ في القرآن تارةً مميَّزًا بـ «أَبَدًا» وَتَارَةً غَيْرَ مُمَيَّزٍ، وَلَكِنْ كُلُّهُ يُحْمَلُ على الخلود الأبديِّ.
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍأَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجنَّة. فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ. وَكُلُّهُمْ قَدْ رَأَىَهُ.
ثُمَّ يُنَادِي المُنَادِي، يَا أَهْلَ النَّارِ. فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ. وَكُلُّهُمْ قَدْ رَأَىَهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ». رواه البخاري.
أمَّا الخلودُ في النَّار فجاء بِدُونِ تَأْبِيدٍإلاَّ في مَوْضِعٍ أو مَوْضِعَيْنِ في حَقِّ العصاة، ولكنَّهم لا يؤبَّدون كما جاء في حقِّأَكَلَةِ الرِّبَا وَقَاتِلِ النَّفْسِ، أمَّا في حقِّ الكفَّار فالتَّأْبِيدُ مع الخُلُودِ.
قوله: {يَوْمَيَقُولُالْمُنَافِقُونَوَالْمُنَافِقَاتُلِلَّذِينَآَمَنُواانْظُرُونَانَقْتَبِسْمِنْنُورِكُمْ} .
لمَّا أعطى اللهُ المؤمنين النُّورَ التَّامَّ يَوْمَ القيامة، وَسَلَبَ نُورَ المنافقين، وَبَقُوا في الظُّلْمَةِ والحيرة، عَزَلَ اللهُ المؤمنين، وَبَقِيَ المنافقون مع الكفَّار.
والمرادُ بالمنافقين هنا هم أَهْلُ النِّفَاقِ الاعتقاديِّ؛ لأنَّهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، وَيُبْطِنُونَ الكُفْرَ، فإذا جاء يومُ القيامة فَضَحَ اللهُ أَهْلَ النِّفاق في ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ؛ بالسُّجُودِ، وتوزيع الأنوار، وبالسُّور، وَهُنَالِكَ يُعْزَلُ أهلُ الإيمان عن أهل النِّفاق، ويلتحق أهلُ النِّفاق بالكفَّار في النَّار.
فأشدُّ ما تكون الحَسْرَةُ والبَلاءُ يَوْمَ يُفْتَحُ للعَبْدِ طُرُقُ النَّجاة، حتَّى إذا ظنَّأنَّه نَاجٍ وَرَأَى منازلَ السُّعَدَاءِ، انْقَطَعَ.
وذلك أنَّهإذا أعطى اللهُ أَهْلَ الإيمان النُّورَ التَّامَّ، وانقطع نُورُ أَهْلِ النِّفاق وَبَقُوا في الظُّلمة، فعلى الصِّراط يَفْصِلُ اللهُ بين أهل الإيمان بالله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، واستقاموا على طاعة الله.
وَحَالَ وَفَصَلَ بَيْنَ أهل النِّفاق الَّذينأظهروا الإسلامَ بألسنتهم وكفروا بقلوبهم. هُنَالِكَ نَجَّى اللهُ المؤمنين، وَخَذَلَ المنافقين في أَحْرَجِ المَوَاقِفِ، وَأَطْفَأ نُورَهُمْ، وصاروا في ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ.
قوله: {انْظُرُونَا} .
أي: انتظرونا مِنْأَجْلِ أن نَقْتَبِسَ مِنْ نُورِكُمْ.
والنَّظَرُ في القرآن يأتي بمعنى الاعتبار والتَّأَمُّلِ، ويأتي بمعنى الرُّؤْيَةِ، ويأتي بمعنى الانتظار، والفَرْقُ بَيْنَهَا بحسب ما تعدَّى به، فإن عُدِّيَ بِإِلَى فالمُرَادُ به الرُّؤْيَةُ، وَإِنْ عُدِّيَ بنفسه «انظرونا» فالمُرَادُ الانتظارُ، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى فللاعتبار.
قوله: {قِيلَارْجِعُواوَرَاءَكُمْفَالْتَمِسُوانُورًا} إِنْكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وهذا مُحَالٌ، فَيَرْجِعُونَ إلى المكان الَّذي قُسِّمَ فيه النُّور، فلا يَجِدُونَ شيئًا، فينصرفون إليهم وقد ضُرِبَ بينهم بِسُورٍ له بابٌ.
وهذه هي الفِتْنَةُ الكبرى، والخِدْعَةُ العُظْمَى لأهل النِّفاق.
قوله: {فَضُرِبَبَيْنَهُمْبِسُورٍلَهُبَابٌ} .
إذا فَرَغَ النَّاسُ من الحساب وجازوا الصِّراطَ وَمُيِّزَ بين المجرمين والمؤمنين، ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ؛ أي: في هذه الأثناء فُصِلَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ بَيْنَ المؤمنين والمنافقين، بَاطِنُهُ فيه الرَّحْمَةُ من قِبَلِ المؤمنين، وظاهرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العذابُ مِنْ قِبَلِ أهل النِّفاق.
وهذا السُّورُ حَقِيقِيٌّ له بَابٌ، فكان ما وَرَاءَ السُّورِ مِمَّا يلي الجَنَّةَ مِنْ أَرْضِ الجنَّة، وَصَارَ مَا دُونَ السُّورِ مِمَّا يلي النَّارَ من أَرْضِ جَهَنَّمَ.