فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 581

قال ابْنُ كَثِيرٍ: «سُورٌ يُضْرَبُ يَوْمَ القيامة لِيَحْجِزَ بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون، دَخَلُوهُ مِنْ بابه، فإذا استكملوا دخولَهم، أُغْلِقَ البابُ، وَبَقِيَ المنافقون مِنْ وَرَاءِهِ في الحيرةِ والظُّلْمَةِ والعذاب، كما كانوا في الدَّار الدُّنيا في كُفْرٍ وَجَهْلٍ وَشَكٍّ وَحِيرَةٍ» .

قوله: {بَاطِنُهُفِيهِالرَّحْمَةُ} .

أي: داخلُه فيه الرَّحْمَةُ، وهي الجَنَّةُ، فمن كان بَاطِنَ هذا السُّور ودخل مع المؤمنين فَمَآَلُهُ الجنَّةُ.

{وَظَاهِرُهُمِنْقِبَلِهِالْعَذَابُ} ؛ أي: من لم يَكُنْ دَاخِلَ السُّور فهو مِنْ أَهْلِ العذاب - أي خَلْفَهُ النَّارُ - ثمَّ يُسَاقُونَ إلى النَّارِ.

والسَّبَبُ في ذلك؛ لِغِلَظِ كُفْرِهِمْ، خالطوا المسلمين، وعاشروهم، وعرفوا الحقَّ، وسمعوه، فإذا كفروا بعد ذلك، فهو دليلٌ على غِلَظِ كُفْرِهِمْ وَخُبْثِ قلوبهم.

هذا حِوَارٌ بَيْنَ أَهْلِ النِّفاق وَأَهْلِ الإيمان.

قوله: {يُنَادُونَهُمْأَلَمْنَكُنْمَعَكُمْقَالُوابَلَى} .

فَصَلَ اللهُ بَيْنَهُمْ بِهَذَا السُّورِ، وَحَلَّتْ عَلَيْهِمُ الظُّلْمَةُ، وَعَلِمُوا أنَّهم ليسوا مع المؤمنين.

ينادي المنافقون حِينَئِذٍ المؤمنين: {ألم نكن معكم} لم يَكْتَفُوا بالحَسْرَةِ، بل أخذوا ينادونهم في تَحَسُّرٍ وَتَذَلُّلٍ: {أَلَمْنَكُنْمَعَكُمْقَالُوابَلَى} أي: كُنْتُمْ مَعَنَا في الدُّنيا باعتبار الظَّاهر.

كان الجميعُ وَاحِدًا، ولكن باعتبار الباطن والقلوب؛ فهم مختلفون؛ فَأَهْلُ النِّفَاقِ كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، وَأَهْلُ الإيمان بَرَرَةٌ.

قوله: {وَلَكِنَّكُمْفَتَنْتُمْأَنْفُسَكُمْ} .

أي: بالنِّفاق واللَّذَّات والمعاصي؛ فليس في قلوبهم إيمانٌ؛ إنَّما يتظاهرون بالإسلام، يعملون أعمالًا من باب النِّفاق.

قوله: {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي: انتظرتم بالحقِّ وَأَهْلِهِ الدَّوَائِرَ؛ أي: يتوقَّعون أن تَحِلَّ بهم المَصَائِبُ؛ فَأَهْلُ النِّفَاقِ مع أهل الكفر بالنُّصْرَةِ والمَوَدَّةِ، ويتربَّصون بالمؤمنين.

قوله: {وَارْتَبْتُمْ} أي: حَصَلَ في قلوبهم الرِّيبَةُ مِنَ البَعْثِ بعد الموت وكلِّ ما جاءهم به الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَهُمْ مُرْتَابُونَ في الله وفي الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وفي القرآن وفي انتصار أهل الإيمان.

قوله: {وَغَرَّتْكُمُالْأَمَانِيُّ} .

أي: طُولَ الأَمَلِ والطَّمَعَ في امتداد الأعمار، والطَّمَعَ في المغفرة بِدُونِ عَمَلٍ؛ لأنَّ الأمانيَّ لا يكون معها عَمَلٌ، والرَّجَاءَ يكون معه عَمَلٌ، والغَرُورُ ما يغترُّ به الإنسانُ يَظُنُّهُ كذلك وليس كذلك.

وطولُ الأَمَلِ يتولَّد منه خَمْسُ آَفَاتٍ؛ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ، والكَسَلُ عن الطَّاعة، والرَّغْبَةُ في الدُّنيا، والزُّهْدُ في الآخرة، وَقَسْوَةُ القَلْبِ.

قوله: {حَتَّاجَاءَأَمْرُاللَّهِ} أي: المَوْتَ.

قوله: {وَغَرَّكُمْبِاللَّهِالْغَرُورُ} .

أَيِ: الشَّيْطَانَ؛ لأنَّهُ مَصْدَرُ الغُرُورِ. خَدَعَكُمْ، وَزَيَّنَ لكم النِّفَاقَ. هذا مَصِيرُ أَهْلِ النِّفاق، وَمَا يَلْقَوْنَ مِنَ التَّبْكِيتِ.

قوله: {فَالْيَوْمَلَايُؤْخَذُمِنْكُمْفِدْيَةٌوَلَامِنَالَّذِينَكَفَرُوا} .

هذه تَتِمَّةُ حِوَارِ المؤمنين للمنافقين؛ أي: لا يُقْبَلُ منكم ما يُفْتَدَى به قلَّ أَوْ كَثُرَ؛ فلا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ ولا نَدَمٌ، ولا يُقْبَلُ منكم فِدْيَةٌ؛ فلا مَطْمَعَ لكم في النَّجاة.

قوله: {مَأْوَاكُمُالنَّارُ} أي: مَصِيرُكُمُ النَّارُ.

قوله: {هِيَمَوْلَاكُمْ} أي: أَوْلَى بكم. {وَبِئْسَالْمَصِيرُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت