فهرس الكتاب
قوله: {أَلَمْيَأْنِلِلَّذِينَآَمَنُواأَنْتَخْشَعَقُلُوبُهُمْلِذِكْرِاللَّهِ} .
هذه الآَيَةُ فِيهَا عِتَابٌ من الله- سبحانه - لعباده المؤمنين الَّذين اسْتَبْطَأَتْ نفوسُهم أن تتوجَّه للإيمان بالكلِّيَّة، وَقَعَدَتْ بها أهواءُها إلى بعض متاع الدُّنيا، ولم تتوجَّه كُلِّيَّةً إلى الله سبحانه.
أَلَمْ يَحِنْ وَقْتُ أَنْتَلِينَ وَتَرِقَّ وَتَخْشَعَ قلوبُهم لِذِكْرِ الله؟
والخشوعُ هو الانقيادُ التَّامُّ لأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
لمَّا قَدِمَ أَهْلُ اليَمَنِ زَمَانَ أَبِي بَكْرٍ وَسَمِعُوا القرآنَ، جَعَلُوا يَبْكُونَ، قال: فَقَالَ أبو بكرٍ: هكذا كنَّا، ثمَّ قَسَتِ القلوبُ.
نَعَمْ. مَعَ طُولِ الأَمَدِ وَفَتْحِ الدُّنْيَا القُلُوبُ تَتَغَيَّرُ، وكلَّما ابتعد الإنسانُ عن الوحي والمواعظ واشتغل بغيرهما تَغَيَّرَ حَالُهُ، وَقَسَا قَلْبُهُ، فإذا امتلأ القلبُإيمانًا، فإذا ذكَّرتَه بالله، تَأَثَّرَإيمانُه بِأَقَلِّ مَوْعِظَةٍ.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إِنَّ اللهَ استبطأ قلوبَ المؤمنين، فعاتَبهم» . وهذا العتابُ كان لبعض الصَّحابة.
وَثَبَتَ عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - في «صحيح مسلمٍ» أنَّه قال: ما كان بَيْنَ إسلامنا وبين أن عاتَبنا اللهُ - جلَّ وعلا - بهذه الآية: {ألم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} - إلاَّ أَرْبَعَ سِنِينَ.
أمَّا الخشوعُفهو غايةُ الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع.
تَصَوَّرْ إِنْسَانًا رَكِبَ البحرَ فَغَرِقَتْ سَفِينَتُهُ فدعا اللهَ فقيَّض اللهُ سببًا أنقذه به مِنَ الغَرْقَى، وَعَلِمْتَ أنَّالسَّبَبَ مِنَ الله؛ كيف يكون حبُّك لله سَيَكُونُ عَظِيمًا.
وَمِنَ النَّاس مَنْأَيْقَنَ أنَّكلَّ شَيْءٍ هو فيه هو مِنَ اللهِ، حتَّى صار اللهُأَحَبَّإليه من كلِّ شَيْءٍ، وتعلَّق بالله قَلْبُهُ.
من علامات الإيمان خَشْيَةُ الله، ومعرفته، وإذا نزلت خَشْيَةُ الله وَعَظَمَتُهُ في القلب، نَسِيَ العَبْدُ كلَّ شَيْءٍ، وتعلَّق قلبُه بالله مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً.
وخشيةُ الله مَرْحَلَةٌ ما وَصَلْنَا إليها وما عَرَفْنَاهَا، فكم مِنْأُنَاسٍ يسمعون القرآنَ والمواعظَ كلَّ يَوْمٍ ومع ذلك ما تَغَيَّرَ فيهم شَيْءٌ، ولا زاد إيمانُهم.
وهذا يدلُّ على فَسَادِ القلوب؛ لأنَّه مع كثرة الطَّاعات من صلاةٍ وَحَجٍّ وصيامٍ وهم لازالوا مُصرِّين على بعض المعاصي. هذا يَدُلُّعلى أنَّالإيمانَ ما ارْتَقَى في قلوبهم؛ فعندَهم أعمالٌ كثيرةٌ، وعندهم عباداتٌ، وَلَكِنْ لا زَالَ عِنْدَهُمْ مَعَاصٍ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ.
وتحقيقُ الإيمان يكونبأن تحبَّ اللهَ بِقَلْبِكَ كلِّه، وَتُرْضِيَهُ بِجُهْدِكَ كلِّه؛ فلا تحبَّإلاَّ اللهَ، ولا تخافَإلاَّ اللهَ، ولا ترجو إلاَّ اللهَ.
فالخشوعُ هو غايةُ الحبِّ مع غاية الذُّلِّ والافتقار.
قوله: {لِذِكْرِ اللهِوَمَانَزَلَمِنَالْحَقِّ} .
أَيِ: القرآنَ؛ فهو الذِّكْرُ الَّذي نَزَلَ إليهم. فَحَيَاةُ القلوب مُرْتَبِطَةٌ بِتَعَلُّمِ كتاب الله قِرَاءَةً وَفَهْمًا وَعَمَلًا؛ حتَّى يَكُونَ حُجَّةً.
فَمَنْ سَمِعَ كلامَ الله ولم يُحدِثْ له خشوعًا، فهذا مُؤَشِّرٌ على أنَّقَلْبَهُ عَلَيْهِ قُفْلٌ، وهذه عَلامَةٌ خَطِيرَةٌ أَعْظَمُ من أيِّ مَرَضٍ جِسْمِيٍّ.
قوله: {وَلَايَكُونُواكَالَّذِينَأُوتُواالْكِتَابَمِنْقَبْلُفَطَالَعَلَيْهِمُالْأَمَدُفَقَسَتْقُلُوبُهُمْ} .
نَهَى اللهُ - سبحانه - عِبَادَهُ المؤمنين أن يتشبَّهوا بِحَالِ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِنَا، من أهل الكتاب الَّذين حُمِّلُوا الكتب، ثمَّ لم يَحْمِلُوهَا، فَقَسَتْ قلوبُهم؛ لأنَّهم عرفوا الحقَّ فَتَرَكُوهُ.
لمَّا قَسَتْ قُلُوبُهُمْ حَرَّفُوا كتابَ الله، وَنَبَذُوهُ، وَتَرَكُوا العَمَلَ بِهِ، فَهَلَكُوا.