فهرس الكتاب
حفظُ القرآن أو قراءةُ القرآن بِتَجْوِيدٍ أَوْ صَوْتٍ حَسَنٍ ليس هذا هو المقصودَ؛ لأنَّ القراءةَ والتَّجويدَ وَسِيلَةٌ إلى تَدَبُّرِهِ، والتَّدَبُّرُ وَسِيلَةٌ إلى الخشوع والعمل.
ينبغي الرُّجوعُ إلى كتاب الله قراءةً وتلاوةً وتدبُّرًا وعملًا.
أمَّا مجرَّدُ الحفظ وإتقان التِّلاوة فهذا ليس هو المقصودَ؛ هذا هو مَسْلَكُ أَهْلِ الكتاب مع كُتُبِهِمْ، فلا تَسْلُكْهُ مع القرآن.
وممَّا يُسْتَشْهَدُ به أنَّشابًّا في قُرَى كَنَائِسِ إفريقيا، كان مسئولًا عن أنشطة الشَّباب، وَثَقَ به القَسَاوِسَةُ، فَطَلَبُوا منه البَحْثَ في القرآن عن متناقضاتٍ، ولو على سبيل اللَّغَطِ والحِيلَةِ، فلازم كِتَابَ الله سَنَةً كاملةً، ثمَّ اجتمع بمن وَثَقُوا به؛ لِيَأْتِيَهُمْ بمتناقضاتِ الكتاب؛ لتكون المفاجئة.
إِذْ أَعْلَنَ في اجتماعهم أنَّه أمضى مع القرآن سَنَةً مَا وَجَدَ فيه متناقضةً، وأنَّه الكتابُ الحقُّ الَّذي لا يأتيه الباطلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِنْ خَلْفِهِ، ثمَّ أعلن دخولَه في الإسلام بعد ذلك.
فلمَّا قرأ القرآن ليفهمه، اهتدى، ولمَّا حفظ القرآنَ البعضُ دُونَ فَهْمٍ، ارْتَدَّ، وَكَفَرَ.
لأنَّ الأمَّةَ إذا أكثرت من العلوم دون وَعْيٍ وَبَيِّنَةٍ وبصيرةٍ، كانت في حقِّها سمومًا. العلم لايُراد لذاته إنما يُراد لغيره، يُراد للعمل، إن العلم بدون عمل حجة الله على ابن ادم، المهمإذا استفاد الانسان فائدة علمية شرعية أن يتأثر سلوكه، ويتغير منهجة على ضوءها، فيتحسن ويزيد عمله الصالح كل يوم، قال أنس:"كان الرجل اذا حفظ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا"؛ لأنهما اشتملتا على جل الأحكام الشرعية.
كان سَلَفُنَا الصَّالحُ إذا تعلَّموا عَشْرَ آياتٍ لم يتجاوزها حتَّى يتعلَّموا معانيها، والعملَ بها، فتعلَّموا القرآنَ، وتعلَّموا العلمَ والعملَ.
روى عبدالرَّزَّاق في «المصنَّف» عن ابن عبَّاسٍ قال: قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الكوفة، وَسَأَلَهُ عمرُ - رضي الله عنه - عن أحوال النَّاس فقال: يا أميرَ المؤمنين، قرأ القرآن منهم كذا وكذا.
فقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: واللهِ مَا أُحِبُّ أَنْيُسَارِعُوا هذه المُسَارَعَةَ في القرآن.
قال: فَزَجَرَنِي عمرُ فقال: مهٍ مهٍ. فَانْطَلَقْتُ إلى منزلي حزينًا، وقلتُ: كُنْتُ بمنزلةٍ عِنْدَ عُمَرَ، ولا أَرَانِي إلاَّ سَقَطْتُ منه!
فاضطجعتُ على الفراش، حتَّى ظنَّ أَهْلِي أنِّي مَرِيضٌ، فبينما أنا كذلك إذا بالباب يُقْرَعُ، فقالوا: أَجِبْ عُمَرَ. فخرجتُ فإذا عُمَرُ وَاقِفٌ بالباب، ثمَّ خلا بي فقال: يا ابنَ عبَّاسٍ ما الَّذي كَرِهْتَ مِمَّا قال الرَّجُلُ آَنِفًا؟
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن كُنْتُأَسَأْتُ، فإنِّي أسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إليه، وانْزِلْ حيث أحببتَ. قال: لِتُخْبِرْنِي. قُلْتُ: متى ما يسارعوا هذه المُسَارَعَةَ يحتقُّوا، وإذا احتقُّوا يَخْتَصِمُوا، وإذا اخْتَصَمُوا اخْتَلَفُوا، وإذا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا.
فقال عُمَرُ رضي اللهُ عنه: لله أبوك، لقد كنت أكتمها النَّاس حتَّى جِئْتَ بها.
قوله: {وَكَثِيرٌمِنْهُمْفَاسِقُونَ} .
فقلوبُهم فاسدةٌ، وأعمالُهم باطلةٌ.
قوله: {اعْلَمُواأَنَّاللَّهَيُحْيِيالْأَرْضَبَعْدَمَوْتِهَاقَدْبَيَّنَّالَكُمُالْآَيَاتِلَعَلَّكُمْتَعْقِلُونَ} .
لمَّا كانت حياةُ القلب مِثْلَ حياة الأرض، فحياة الأرض بالماء والمطر، وحياة القلوب إنَّما هي بذكر الله وبالقرآن.
فأهلُ الكتاب لمَّا طال عليهم الأَمَدُ، ابْتَعَدُوا عن كتاب الله، فَقَسَتْ قلوبُهم، لذلك ينبغي أن يكون الإنسانُ له علاقة يومية مع كتاب الله، ولا ينقطع عنه، فإذا انقطع عن القرآن، قَسَا قَلْبُهُ.
فمن أراد أن يحيا قلبُه، فليرجع إلى القرآن.
قوله: {إِنَّالْمُصَّدِّقِينَوَالْمُصَّدِّقَاتِوَأَقْرَضُوااللَّهَقَرْضًاحَسَنًايُضَاعَفُلَهُمْوَلَهُمْأَجْرٌكَرِيمٌ} .