فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 581

الصِّنْفُ الأوَّلُ: هم المتصدِّقون.

هل أَحَدٌ يَبْذُلُ هذا القَرْضَ الحَسَنَ، فيُجازَى عليه أضعافًا كثيرةً؟ وسمِّي الإنفاقُ والبذلُ والصَّدقةُ قَرْضًا؛ حثًّا للنُّفوس؛ لأنَّ الإنسانَ حينما يعلم أنَّه يعطي الغنيَّ الحميدَ فيطيبُ بها نفسُه، وَيَسْهُلُ عليه الإنفاقُ.

ثمَّأَخْبَرَأنَّه يعطيه فوقَ المضاعفة أجرًا كريمًا.

في هذه الآية والآيتين الَّتي بَعْدَهَا قَسَّمَ اللهُ النَّاسَ إلى أَرْبَعَةِأقسامٍ؛ المتصدِّقين والصِّدِّيقين والشُّهداء والكفَّار، وَذَكَرَ جَزَاءَ كلِّ فريقٍ منهم.

ذَكَرَأصنافَ السُّعَدَاءِ وفي مقدِّمتهم المتصدِّقين. والصَّدقةُ فيها فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ؛ فهي تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتَدْفَعُ البَلاءَ، وكانوا يَرَوْنَأنَّها تدفع عن الرَّجل الظُّلومَ.

الصَّدَقَةُ بالمال غِبْطَةٌ سوَّاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالوحي؛ «لَا حَسَدَإِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٍآَتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، وَرَجُلٍآَتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ» . متفق عليه.

ماذا يعني المالُ إذا لم تُنْفِقْهُ في طاعة الله؟

ولا رَيْبَ أنَّهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ من أنفع النَّاس لِخَلْقِ الله، ولا يَقُومُ أَمْرُ النَّاس إلاَّ بِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ.

وفي الحديث وعن أبي ذَرٍّ قال: انتهيتُ إلى النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو جالسٌ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فلمَّا رَأَىَنِي قال: «هُمُ الأَكْثَرُونَ الأَخْسَرُونَ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِإِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» . أصله في البخاري و مسلم مع اختلاف يسير.

وفي حديثٍآَخَرَ عن أبي ذَرٍّ قال: كنتُ مع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ» . فَأَجَبْتُهُ، قال: «أَتَرَى أُحُدًا؟» قال: فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمس وأنا أظنُّه يبعثني لحاجةٍ له، فقلتُ: «أَرَاهُ» . فقال: «مَا يَسُرُّني أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ غَيْرَ ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ» . ابن حبان.

كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْأَجْوَدِ النَّاسِ بِالمَالِ، ولا خَيْرَ فيه إذا لم يُقَرِّبْكَ مِنَ الله.

وجزاءُ النَّفع المتعدِّي من جنس العمل؛ فَمَنْ كَسَا مُؤْمِنًا، كَسَاهُ اللهُ، وَمَنْأَطْعَمَ مؤمنًا أَطْعَمَهُ اللهُ، وَمَنْ سَقَى ظَمْآنًا سَقَاهُ اللهُ، وَمَنْأَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةًأَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا مِنَ النَّارِ، وَمَنْ فَرَّجَ وَمَنْ نَفَّسَ وَمَنْأَعَانَ مُؤْمِنًا، أَعَانَهُ اللهُ».

قوله: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَوَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} .

-الصِّنْفُ الثَّاني: الَّذين آَمَنُوا بالله ورسولِه، والإيمانُ هو بكلِّ ما يجب الإيمانُ به قولًا وعملًا واعتقادًا، وهذا الإيمانُ هو الَّذي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ يَوْمَ القيامة.

{وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} أَخْبَرَ اللهُ عنهم بثلاثة أَشْيَاءَ:

-أَحَدُهَا: أنَّهم هم الصِّدِّيقون، وهم كثيرون، فالصِّدِّيقُ مَنْ كَمُلَ تَصْدِيقُهُ بما أَخْبَرَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - به عن ذاته، وعن أمور الغيب، وَعَظُمَ صِدْقُهُ كأنَّه يرى الغَيْبَ.

والنَّاسُ فيه متفاوتون؛ فمنهم مَنْ تَصْدِيقُهُ قَوِيٌّ وَعَلَيْهِ فالصِّدِّيقُ هو الصِّدْقُ مع الله ومع خَلْقِهِ، ولا يُجَرَّبُ عليهم كَذِبٌأبدًا، وهي أعلى الدَّرجات بعد النَّبيِّين؛ «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ» رواه البخاري. فَتَبَيَّنَ أنَّالصِّدِّيقَ أَعْلَى مَقَامًا من الشَّهيد.

-والثَّاني: أنَّهم هم الشُّهَدَاءُ عِنْدَ ربِّهم. قيل: هم الَّذين يَسْتَشْهِدُهُمُ اللهُ على النَّاس يَوْمَ القيامة؛ {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ} .

فيشهدون على ما فعل أقوامُهم من خَيْرٍ وشرٍّ، ويشهدون للمُرْسَلِينَ بالبَلاغِ، ويشهدون على الأمَّة شهادةً قوليَّةً، وهي الآخرةُ، وفي الحديث: «إنَّ اللّعَانين لا يكونونَ شُفَعَاءَ ولا شهداءَ يَوْمَ القيامةِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ

وقيل: الشُّهَدَاءُ عند ربِّهم هم الَّذين قُتِلُوا في سبيل الله من أَجْلِإعلاءِ كَلِمَةِ الله.

-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت