فهرس الكتاب
هل الصِّدِّيقون غيرُ الشُّهَدَاءِأم هم طائفةٌ وَاحِدَةٌ على قَوْلَيْنِ؟
عِنْدَ السَّلَفِ أنَّالشَّهَادَةَ تَخْتَلِفُ عن مرتبة الصِّدِّيقيَّة مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، ومن جهة المعنى، وطائفة قالت: «إنَّالصِّدِّيقِينَ هم الشُّهَدَاءُ» .
-الثَّالث: أنَّلهم أَجْرَهُمْ وَنُورَهُمْ؛ أي: لهم عند ربِّهم أَجْرٌ جَزِيلٌ ونورٌ عظيمٌ يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب أعمالهم.
هذا يتناول المتصدِّقين والصِّديقين والشُّهداء. فَذَكَرَأَصْنَافَ خَلْقِهِ السُّعَدَاءَ الثَّلاثة في هذه السُّورة.
الصِّنْفُ الثَّالث: وهمُ الأشقياءُ وهم نوعان في هذه السُّورة المنافقون والكفَّار.
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
لمَّا ذَكَرَ اللهُ السُّعَدَاءَ وَمَآَلَهُمْ، ذَكَرَ بَعْدَهَا الأَشْقِيَاءَ وَحَالَهُمْ وَمَالهم؛ كفروا بالله ورسوله، وهو يقابل الَّذين آمنوا بالله ورسوله.
قوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} .
في هذه الآية والَّتي بَعْدَهَا بَيَّنَ اللهُ فيها حَقِيقَةَ الدُّنْيَا والآخرة، وَذَكَرَ مُقَارَنَةً بينهما.
قوله: {اعلموا} بمعنى: لِيَكُنْ لَدَيْكُمْ عِلْمٌ.
قوله: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} {أنما} للحَصْرِ والقَصْرِ؛ أنَّالدُّنْيَا لِمَنْأرادها وَحْدَهَا فقط، إنَّها لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وتفاخرٌ وتكاثرٌ.
الدُّنْيَا سُمِّيَتْ بالدُّنيا من الدُّنُوِّ؛ أي: قريبةً؛ لأنَّ الإنسانَ يعيش فيها، فهي عرضٌ حاضرٌ، والآخرةُ بَعِيدَةٌ؛ لأنَّها متأخِّرةٌ؛ لأنَّها عرضٌ غائبٌ.
وقيل: إنَّها - أي الدُّنيا - مِنَ الدَّنَاءَةِ والحقارة والوضاعة.
وحقيقة الدُّنيالها ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ؛ فحقيقتُها الظَّاهرةُ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وزينةٌ وَتَفَاخُرٌ وَتَكَاثُرٌ، كَمَثَلِ الغيث، فمن كانت أَكْبَرَ همِّه وَمَبْلَغَ عِلْمِهِ لا تتجاوز هذه الأمورَ الخَمْسَةَ في حقِّ الكافر والعاصي.
فَجَمِيعُ مُتَعِ الدُّنْيَا استهلاكيَّةٌ تستفيد منها في لحظتها، لكن لا تستفيد منها في قَبْرِكَ؛ أَكَلْتَ مِئَةَ سَنَةٍ، وَشَرِبْتَ، وَلَعِبْتَ، وتنزَّهتَ، ولكن كلُّ هذا لا ينفع في القَبْرِ.
فَمَنْ عَمِلَ للدُّنيا فما كان للدُّنيا يذهب يوم الخروج من الدُّنيا، فلا تحزن يوم الخروج منها على مَنْصِبٍ ولا شهادةٍ ولا على زوجةٍ ولا ولدٍ، إنَّما تحزن أنَّك ما عظَّمتَ الله وما قَدَرْتَهُ حقَّ قَدْرِهِ.
أمَّا حقيقةُالدُّنيا الباطنةُ مزرعةٌ للآخرة، وهذا في حقِّ المؤمن نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للعبد الصَّالح؛ فالمؤمنُ إذا بَاعَ واشْتَرَى هَذَا أَمْرٌ مَحْبُوبٌ إلى الله؛ لأنَّ ما أحلَّه اللهُ فهو مَحْبُوبٌإِلَيْهِ، وما كَرِهَهُ فهو محرَّمٌ؛ فإنسانٌ شَغَلَهُ البَيْعُ، لَكِنِ البَيْعُأَبَاحَهُ اللهُ، ويستعين به على طاعة الله، لكن لو شَغَلَهُ البَيْعُ عن طاعة الله، صار مكروهًا، أو محرَّمًا، لَكِنْ لمَّا قضيت الصَّلاةُ صَارَ البيعُ مباحًا؛ فعلى سبيل المثال: إنسانٌ اكتسب مالًا حلالًا وأنفقه في سبيل الله، وآخرُ اكتسب مالًا وعمَّر به الدُّنيا وَشَغَلَهُ عن طاعة الله، فهذا في لهوٍ ولعبٍ؛ لأنَّ اللَّهْوَ واللَّعِبَ ليس له ثَمَرَةٌ ولا فَائِدَةٌ ولا جَدْوَى.
جَمَعَ مِنَ الدُّنْيَا ما جَمَعَ ثمَّ ذَهَبَ وَتَرَكَه؛ فَحَاصِلُ الدُّنْيَا أنَّها لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَتَفَاخُرٌ وَتَكَاثُرٌإلاَّ ما كان لله، وفي طاعة الله.
{لَعِبٌ} أي: تَلْعَبُ بها الأبدانُ؛ فهو ما يُتَسَلَّى به لِتَمْضِيَةِ الوقت، واللَّعبُ عَمَلٌ لا طَائِلَ منه ولا جَدْوَى.
لَعِبُ الإنسانِ بالنَّرْدِ في إحدى السَّهَرَاتِ حتَّى السَّاعة الثَّانية ليلًا ماذا يَكْسَبُ؟ لا شَيْء. حينما يلعبون الكرة تسعين دقيقةً، ما هي الثَّمرة؟ لا فائدةَ. اللَّعبُ ما ذُكِرَ في القرآن إلاَّ مَذْمُومًا؛ لأنَّه يُلْهِي عن ذِكْرِ الله.
والإنسانُ ما خُلِقَ للَّعِبِ، وإنَّما خُلِقَ للجدِّ؛ فاللَّعِبُ سُلُوكٌ غَيْرُ مُثْمِرٍ. وَأَصْبَحَ اليَوْمَ اللَّعِبُ مَفْخَرَةً تُصْرَفُ فيها الأموالُ، وَتُهْدَرُ فيها الأوقاتُ، ويقطع بها الجاهلون القوَّة والشَّباب في الباطل.